• الأدب الفلسطيني والأدب العربي
وعلى الرغم من أن الأدب الفلسطيني جزء لا يتجزأ من الأدب العربي الحديث، وأنه ساهم مساهمة كاملة في كل التجارب الثورية التي شهدها الأدب العربي خلال هذا القرن، ومنذ عقد الخمسينات بوجه خاص، فإنه تميّز باختلافات بيّنة في بعض النواحي، خاصة في علاقته بالمكان والزمان، وفي لهجة الخطاب والاتجاهات، وفي انشغاله الخاص بالقضية السياسية السائدة. وقد يمكن القول إن الأدب العربي برمّته مشغول هذه الأيام بالصراع الاجتماعي السياسي الذي يخوضه الشعب العربي، ولكن لا شك في أن السياسة تفرض عبئاً أثقل على الكاتب الفلسطيني، فهي تحدّد عادة أن يعيش هذا الكاتب ويكتب، وتستدعي قدراً أكبر ما يكون ملتزمين بأفكار سياسية معيّنة ومنتمين إلى صفوف المعارضة. فهناك مشكلة الهوية بالنسبة إلى الفلسطينيين أن يقضوا حياتهم إما منفيين في بلاد أخرى، أو مواطنين من الدرجة الثانية في إسرائيل في حالة بقائهم في أرض أجدادهم، أو فاقدين، وذلك قبل تأسيس الدولة الفلسطينية، لصفة المواطنة تماماً عندما كانوا يعيشون تحت الاحتلال العسكريّ الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزة. هناك طبعاً كتّاب عرب كثيرون اختاروا أن يعيشوا منفيّين في أرجاء العالم بسبب ظروف القمع الموجودة في العديد من الأقطار العربية، ولكن هناك أعداد أكبر بكثير من هؤلاء ممن يعيشون - على عكس الفلسطينيين- في بلادهم المتمتّعة بالسيادة الكاملة.
• تجربة الأدب الفلسطيني
إن التجربة الفلسطينية الحديثة قاسية لا ترحم، ولا تترك ناحية من نواحي الحياة دون التدخّل في أعمق أعماقها، وليس هنالك من فلسطيني يفلت من قبضتها، أو من كاتب يستطيع تفاديها. وهي تجربة لا يمكن نسيانها، كما لا يمكن تجاوز لوعتا. وسواء أكان الفلسطينيون في إسرائيل أم الضفة الغربية وغزة، أم في الشتات، فإنهم ملزمون، بحكم هويتهم الفلسطينية ذاتها، بأن يعيشوا حياة تتحكّم بها أحداث وظروف نابعة من رفضهم للأسر وضياع الوطن، مثلما تتحكّم بها نوايا الآخرين وشكوكهم ومخاوفهم وعدوانهم.
ليس ثمة من مهرب، فالكاتب الذي يفكّر في التوجه توجّها منفصلاً عن السياسة كاتب يتنكّر للواقع والتجربة، والانغماس في تجربة الحياة اليومية العادية معناه خيانة حياة الفرد ذاته وخيانة شعبه. هذا يعني أن الكتّاب الفلسطينيين ليس لدينهم مجال للهروب، لأن أحداث التاريخ المعاصر تجرفهم في تيارها حتى قبل أو يولدوا. وهم محرومون من نعمة اختيار ما أحبوا من ماضيهم، ومن انتقاء ذكرياتهم، ومن إعادة ترتيب العلاقات التي تتجاوز الأحداث والظروف الخارجية. لقد أضحوا منفيين دائماً: أضحوا ذلك النمط من الغرباء الأبديين، الذين يكافحون ضدّ عقبات من كل نوع وحجم. ولكن أعظم نضال خاضهُ الكتّاب الفلسطينيون وأعظم انتصار حقّقوه، هو رفضهم أن يكونوا ضحايا الإنسانية الخانعين في النصف الثاني من القرن العشرين. ومع أنهم لم يتوقّفوا أبداً عن الإحساس بالمعضلة التي يحياها شعبهم، فإنهم يبدون من قوة التحمّل ما يعلو على المأساة ويتجاوز الضرورة. وهذا ما لوّن الأدب الفلسطيني المعاصر وحدّد وجهته ولهجته.
قد يميل النقّاد ومؤرخو الأدب إلى أن يتوقعوا الرتابة والتقليد في هذا الأدب إن لم يدرسوه، وقد يتساءل المرء عن المدى المتاح لكتاب ارتبطوا بالوضع الفلسطيني ما دام هذا الوضع قد حدّد لهم مسار حياتهم الأساسي كله وأخضع هذا المسار لضروراته الخاصة، ولذا فإنه لممّا يبعث الدهشة والسرور معاً أن يكتشف الدارس أن الشعراء وكتّاب القصة والنثر الأدبي من الفلسطينيين (5) كانوا، حتى ضمن هذه الحدود الضّيقة، مبدعين إلى حدّ بعيد، وأنهم برزوا في مقدمة الكتّاب العرب، ولم يكتفوا بالمشاركة في التجارب الطليعة الناشطة المتعددة التي لا تنقطع، بل كثيراً ما قادوا الطريق نحو التجديد والتغيير.
(يتبع)