• الفن القصصي
• الأدب القصصي والرواية والمرحلة التجريبية
ربما كان لزاماً علينا، قبل الانتقال إلى الحديث عن شعر فدوى طوقان المتأخّر وغيره من الشعر الفلسطيني الذي كتب بعد سنة 1948، أن نتناول الفن القصصي الفلسطيني قبل هذا التاريخ. كان هذا الفن بشكليه الحديثين (القصة القصيرة والرواية) ما يزال في مراحله التجريبية، في النصف الأول من القرن العشرين. والأدب عملية تراكمية، كما أنه نتاج مؤلّفين ناشئين يستجيبون للمؤثرات الخارجية أو لرغبتهم الكامنة في التطوّر. أما الفن القصصي العربي، فقد كان يفتقر إلى التجربة التراكمية، وإلى الشجاعة، وإلى متابعة التجريب في هذا الشكل الجديد الذي كان ما يزال غير واثق الخطى – وهذا وضعٌ تزداد صعوبته عندما تواجه الكتّاب ضرورة سياسية عاجلة، إذ يميلون، في ظروف كهذه، إلى تلك الفترة المبكّرة، يكافح لتثبيت أقدامه، وكان وضعه انعكاساً لضعفه في معظم أقطار العربية، حيث لم يُفلح الكتّاب بعد في إرساء المعايير والأشكال لهذا النوع الفني الجديد، كما لم يتمكّن المؤلفون الطامحون من ترجمة وقائع الحياة العربية المعاصرة إلى فنّ قصصي له قيمة جمالية حقيقية. لا مراء في أن ثمة تراثاً قصصياً عريقاً في اللغة العربية جرى تداوله عبر القرون شفاهاً وكتابة. وعندما نذكر قصص الحب والمغامرة التي ازدهرت في العصر الأموي بشكل خاص، (26) وقصص كليلة ودمنة ذات الصبغة الأليغورية، (27) وألف ليلة وليلة، والمقامات العباسية، (28) والقصة الترميزية الفلسفية التي تمثّلها قصة حي بن يقظان، (29) وفن النوادر، والقصص الشعبية البطولية الكثيرة، وآلاف الحكايات الشعبية التي حفظتها ذاكرة الناس العاديّين – والنساء بخاصة، فإن بوسعنا أن نرى الأدب العربيّ غنيّ جداً في هذا المجال. لكن هذه الأنواع من الفنّ القصصي تختلف عن فن القصة القصيرة وفن الرواية الحديثين، وهما فنّان من نتاج المجتمع البرجوازي من ناحية ومن نتاج تراث تأسس بعد اختراع الطباعة من ناحية أخرى. فالطريقة، التي يترجم بها هذان الفنّان عناصر الحياة إلى عناصر قصصية، تتطلّب طريقة مختلفة في القصّ.
• الفن القصصي والأمثلة الحديثة
يبدو أن الفن القصصي الفلسطيني في القرن العشرين استوحى، في مراحله المبكّرة، القصة الغربية المترجمة إلى اللغة العربية بالمقام الأول، وكانت هذه حالة في البلدان العربية بأسرها، حيث أخذت أولى قواعد هذا الفن مباشرة من الأمثلة الحديثة الأولى لفنّي القصة القصيرة والرواية في الأدب الغربي الحديث. ولم يبدأ باستلهام أنواع القصص التي يزخر بها الأدب العربي إلاّ بعد ذلك، أي حوالي منتصف القرن.
• خليل بيدس وأحمد شاكر الكرمي وجميل البحري
جاء أوّل الجهود المركّزة لشدّ انتباه الكتاب الفلسطينيين من ذوي الطموح الأدبي إلى الفنّ القصصي وإلى قدرته على تلبية حاجات جمهور القرّاء المتنامي، من جانب كتّاب مثل خليل بيدس (19875 – 1949) وأحمد شاكر الكرمي (1894- 1927) وجميل البحري (الذي توفى في ريعان الشباب سنة 1930). وبرم تأثيرهم بطرق متعددة: أولاً: أسّس كلّ منهم مجلّة أدبية خاصة به وأشرف على تحريرها بنفسه، وغدت تلك المجلات منابر مبكّرة لنشر القصص التي كان أغلبها مترجماً عن اللغات الأوربية. (30) ثانيا: عمل ثلاثتهم في مجال الترجمة الأدبية الهام: إذ ترجم بيدس، الذي درس في المدرسة الأرثوذكسية الروسية في الناصرة، مباشرة عن الأدب الروسي أو عن ترجمات روسيّة لكتّاب أوربيين آخرين مثل ماري كوريلّي وفكتور هوغو. وكان الكرمي يجيد الإنجليزية، فترجم أعمالاً لأوسكار وايلد ومارك توين، كما ترجم عن ترجمات إنجليزية لأعمال كتّاب أوربيين مثل جي دوموباسان، وبريناردان دي سان بيير، وتولستوي، وتشيخوف. أما البحري فقد حوّل العديد من النصوص القصصية إلى نصوص مسرحية، (31) وكان مولعاً بشكل خاص بترجمة القصص البوليسية. ثالثاً: كتب هؤلاء الكتّاب في النظرية، فأكدوا على أهمية الفن القصصي لمجتمعهم الفلسطيني المعاصر. كان بيدس يرى أن القصة ركن من أهم أركان الحضارة وأسهلها انتشاراً وأقدرها على التأثير على قلوب الناس وأرواحهم وعلى أخلاقهم وعاداتهم. (32)
وعلى كاتب القصة في رأيه أن يكتب للعامة وليس للخاصة، ولذا فإن عليه أن يختلط بعامة الناس ويتعرّف على حياتهم ومشاكلهم، فالكاتب في نظره نبيّ ما لا يراه الآخرون.
والكاتب الحقيقي هو ذلك الذي يعيش للفنّ ويكتب للفنّ. (33) والعمل القصصي الكامل هو ذلك الذي يطمح لأهداف عليا فيُعلي من شأن الفضيلة ويذمّ الرذيلة سعياً للارتقاء بشخصية القارئ وتنوير عقله. يقول بيدس، لا شك في أن قيمة القصة تكمن بما فيها من منفعة وبما ترمي إليه من مغزة. (34) كذلك فإن أحمد شاكر الكرمي يرى أن على الفن القصصي أن يسعى للفائدة الأخلاقية ولتقديم نقد بنّاء للمظاهر البالية في المجتمع الفلسطيني في أيامه. (35) نجد هذا الموقف الأخلاقي كذلك عند جميل البحري الذي لم يتوان عن تحرير النصوص التي عمل على مسرحتها، مستبعداً ما كان يحسبه عديم الفائدة من المشاهد الغرامية التي لا تناسب أعين الشباب وأسماعهم في رأيه. (36)
يعزي لخليل بيدس فضل كتابة أوّل رواية فلسطينية معروفة هي رواية الوريث التي ظهرت في القدس سنة 1920، وقد كتب بيدس أيضاً قصصاً قصيرة ونشر أوّل مجموعة منها بعنوان (آفاق الفكر)، في القاهرة سنة 1924 (مع المقدّمة التي اقتبسنا منها أعلاه). (37)
ويعدّ خليل بيدس بحقّ أبا القصة الفلسطينية بسبب تعدّد أوجه نشاطه في الترويج لها. تصوّر رواية الوريث حياة شاب من عائلة سورية تشتغل بالتجارة هاجرت إلى مصر. وهناك يقع الشاب في حبّ راقصة يهودية تصوّرها الرواية على أنها مصّاصة دماء، ويساعدها في ابتزاز الأموال من الشاب نفرٌ من بني جلدتها، فيقع في حبائلهم ويغرق في ديون طائلة، ولا ينقذه من المرض والإفلاس إلاّ عودته إلى العمل وإلى كنف العائلة والحياة الطبيعية. لكن الرواية لا تتناول الخطر الحقيقي الذي كان يتهدّد المجتمع الفلسطيني في أواخر العقد الثاني من القرن العشرين – أي مباشرة بعد أن كُشف عن وعد بلفور وبدأت الهجرة اليهوديّة المنظّمة إلى فلسطين – بل إنها تقدّم نظرة تحقيرية ليهودٍ على شاكلة شايْلُك، فتصوّرهم جشعين لا يتورّعون عن ارتكاب الفظائع للحصول على المال. وإن كان المؤلف قد قصد حقاً أن يحذّر أبناء شعبه الفلسطينيين ضد خطط اليهود للاستيلاء على أجزاء من وطنه فإنه عالج المسألة معالجة غير مباشرة، ولذا كانت عديمة التأثير، فجعل الشخصيات سورية والمكان مصرياً، وركّز على الأخلاقيات الموروثة والنظرة التقليدية، بدل أن يضع يده على الأبعاد الحقيقية للحركة الصهيونية وما تنطوي عليه هذه الحركة بالنسبة للفلسطينيين. (38)
(يتبع)