مأساة عام 1948 والشعر
وقد تأثّر فنّ الشعر تأثّراً واضحاً بهذا الموقف الجديد، فغدا التحدّي للأشكال الشعرية الموروثة، التي كادت تبلغ حدّ القداسة في الماضي، قضيّة كبرى فتح فيها المجال على مصراعيه لا للبحث النظري وحسب، بل للآراء العاطفية كذلك، وذلك للمرة الأولى في تاريخ الشعر العربي. بدأت كتابة الشعر الحرّ، بوصفه تجربة جمالية خالصة، قبل مأساة فلسطين، بنشر نماذج عديدة من الشعر الحرّ، ولعلهما كانا قد اشتركا في التجريب الذي فاق محاولات أخرى سابقة وغير معروفة في هذا المجال.(45) غير أن تجربة السيّاب والملائكة حازت الإعجاب في الخمسينات، لا لأنها تجربة ناجحة فنياً وحسب، بل لأن المناخ النفسي، بعد سنة 1948، غدا متقبّلاً لفكرة تفكيك الشكل التقليدي - الذي كان محاطاً تاريخياً بهالة قداسة وقام على القافية الواحدة والأبيات ذات الشطرين - مما أخل بالنسق المتناظر والمتوازن الذي ساد القصيدة العربية منذ الجاهلية. لقد كانت هذه ثورةٌ لم يسبق لها مثيل في تاريخ الشعر العربي، إذ تلاشى تبجيل القديم بين الشعراء الشباب الذين بلغوا سن النضج في عقد الخمسينات، وشهدت العقود التالية تجارب جريئة وناجحة جداً في الشكل، تراوحت ما بين الشعر الحر وقصيدة النثر.(46) أما على المستوى الدلالي، فقد فرضت مأساة سنة 1948 أبعاداً جديدة على القصيدة من حيث الموضوعات والمواقف، كما أكّدت الدعوة الكبرى للالتزام الاجتماعي والسياسي بخاصة، وهي الدعوة التي تردّد صداها في جميع أرجاء الوطن العربي في أواسط الخمسينات، أن الشعر أيضاً يجب أن يكون ملتزماً اجتماعياً وسياسياً.(47)
غير أن ما يجب التأكيد عليه هنا هو تزامن الهزّة السياسية التي حدثت في أواخر الأربعينات مع فترة أدبية جياشة بالتجريب والمغامرة، إذ كانت الرغبة في التجريب تتنامى باطراد منذ بداية القرن فكان المبدعون توّاقون لامتلاك أدوات أدبيّة جديدة، وصاحب ذلك اكتسابهم الواعي للنظرية الأدبية وتنامى معرفتهم المباشرة بالتطوّرات الحديثة في الأدب العالمي.
وقد أدّى تدفّق الإبداع الشعري في الخمسينات، إلى جانب التجديدات المهمّة في الشعر، والاهتمام الجاد بالجماليات، والتطوّر المستمر في مجالي الفن القصصي والمسرحي وكذلك الجدل المحتدم في مجال النظرية- ذلك كله أدّى إلى ظهور مستوى عالٍ من الإبداع الجمالي في النصف الثاني من القرن العشرين.
وقد عجّلت مأساة عام 1948 بهذه العملية في مجال الشعر بشكل خاص وذلك للأسباب التي سبق ذكرها، بينما تطوّر فنّا القصة والمسرحية الحديثان بالسرعة التي كان يمكن أن يتطوّرا بها على كل حال. حيث أن هذين الفنين كانا ما يزالان قائمين على النماذج الغربية بصورة أساسية فإنهما لم يعتمدا على تقاليد صارمة يجلّها الناس بحيث يصبحان هدفاً لهذا الميل الجديد للرفض والتحدي للقديم.
• القصة القصيرة والتطور
وكانت القصة القصيرة تتطوّر تطوّراً ثابت الخطى، وتزداد صقلاً ورهافة مع ظهور المزيد من الكتّاب المثقّفين المتسلّحين بقدر أعظم من الشجاعة، وبمعرفة أوسع بالأشكال الجديدة في القصة العالمية وبالنظريات الجديدة التي ظهرت حولها. ومع أن القصص التي كتبها الفلسطينيون (والكثير من الكتّاب العرب) غالباً ما عكست الوضع الجديد من حيث الموضوع، فليس ثمة ما يدلّ على أن تطورها الفنّي في الخمسينات قد تسارع بسبب المأساة.
• الرواية والتطور
أما الرواية العربية، التي ظلّت موضع التجريب طوال الثلاثينات والأربعينات، فإن ازدهارها في أواخر الخمسينات وفي الستينات يعود بالدرجة الأولى إلى بزوغ نجم نجيب محفوظ وإلى نجاح تجابه وازديادها صقلاً وبراعة.(48)
الشــّعْــر 1948- 1967
• الهجرة والتأثيرات الشعرية
يعكس تطوّر الأدب الفلسطيني، على المستوى الجمالي، التطوّر العالم في المراكز الأدبية الكبرى في العالم العربي. وقد عرّضت هجرة الجماهير الغفيرة، من سكان فلسطين عام 1948، الشعراء والكتّاب في الشتات إلى تأثيرات جديدة عجّلت في نهاية الأمر بتطوّر فنّهم أكثر مما عليه حال معظم مواطنيهم الذين ظلّوا في أرض فلسطين أو ما أصبح يعرف بإسرائيل. غير أن الكتّاب الفلسطينيين، سواء منهم من كان منهم خارج إسرائيل أو داخلها، مرّوا بفترة من الذهول بعد كارثة عام 1948، واحتاجوا إلى بعض الوقت ليجدوا أنفسهم ثانية ويتابعوا مسيرة الإبداع المضنية. لكن بدا أن الكتّاب الفلسطينيين، خاصة أولئك الذين كانوا يعيشون في الشتات، قد تجاوزوا الهزّة الأولية مع حلول منتصف الخمسينات،وعاودوا نشاطهم بحيوية وعزم، فأصاب الشهرة عدد من الشعراء وكتّاب القصة، بل تبوأ بعضهم طليعة الإبداع الشعري والتجديد في الفن القصصي.
• الشعر: بين سنتي 1948 و 1967
سأتناول هنا الشعر الفلسطيني الحديث على مرحلتين: ما كُتب منه بين سنتي 1948 و 1967، وما كُتب بع سنة 1967، وذلك بسبب التطوّر المعقّد للشعر الفلسطيني بعد سنة 1948 من ناحية، والتأثير الحاسم للأحداث السياسية على الشعر العربي بأسره وخاصة بعد سنة 1967 من ناحية أخرى، لكن هذا التقسيم لا ينطبق على تطوّر القصّة الفلسطينية التي لم تُبد - رغم تأثّرها بالأحداث السياسية - تغيّرات أساسية مشابهة في اتجاهاتها نتيجة لتلك الأحداث، وكان العامل الحاسم هنا النضج الفنّي للإبداع القصصي، إذ كان غسان كنفاني قد كتب أفضل عملين من أعماله، وهما رجال في الشمس و ما تبقى لكم قبل عام 1967 (عام 1963 وعام 1966 على التوالي)، بينما لا نلمح أيّ أثر لحرب 1967 في رواية جبرا السفينة(1970)، بل نجدها تركّز على أحداث سنة 1948. أما أعمال إميل حبيبي القصصية، التي سأتناولها فيما بعد، فهي أشدّ تأثّراً من حيث موضوعاتها بما خلّفته حرب سنة 1967 من آثار، ولكن لا يمكننا القول إن براعته الفنية في رواية الوقائع الغربية في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل(1947) تنبع من تلك الأحداث، إذ نجد فيها قدراً من النضج الفني لم يعرفه الأدب العربي من قبل، وهو نضج يعكس أسلوب الكاتب الخاص ومواقفه.
• أبو سلمى
كان أشهر من عرف من الشعراء في فلسطين، إبان عهد الانتداب، فدوى طوقان، التي بقيت في الضفة الغربية، وأبو سلمى، الذي استقرّ في دمشق. أما أشعار أبي سلمى،التي تعبر عن حنينه للوطن المفقود وعن شوقه العميق الدائم لمناظره الطبيعية وعن إيمانه بعودته الحتمية إليه، فقد حببته للآلاف من الفلسطينيين، حتى أطلقوا عليه لقب زيتونة فلسطين، رمزاً لعمق جذوره الفلسطينية وإيمانه الذي لا يتزعزع، غير أن شعره الذي كتبه في الشتات يبدو عليه شيء من الاضطراب والتكلّف، وهما صفتان لا نجدهما في شعره النّاري العفويّ المكثّف، الذي كتبه في فلسطين قبل سنة 1948، وكأن رؤيته قد اهتزت وفقدت ثباتها.
ويتبدى ذلك بوجه خاص في إكثاره من استخدام الصور المجردة وفي تكراره للألفاظ ذاتها - على رشاقتها - دونما حاجة، إضافة إلى طرق موضوعات واهية وغير مقنعة. لكن قصائده ظلّت تأسر جمهوره - خاصة جمهور مستمعيه - إذ كان في الغالب يلقي شعره على غرار شعراء المنابر العرب (49) أمام حشود غفيرة من المستمعين في العالم العربي. وقد نشأت شعبيته عند هؤلاء المستمعين بسبب قصائده المرصعة بأسماء القرى والأنهر والجبال والشواطئ الفلسطينية، ولما في هذه القصائد من لمسة رومانسية تتبدّى في مزجه حبّ الوطن بحبّ المرأة التي سيلتقيها:
وفي النسيمات التي شرّدت
من ربوات القدس والجرمق
سنلتقي ما فوق أرض الحمى
ننشُر من أنفاسنا ما بقي
في الكرمل المحزون بعد النوى
على رمال الشاطئ الأزرق(50)
والمرأة التي يخاطبها في أشعاره تبقى مخلوقاً مجرّداً لا اسم له، وشخصية يحنّ إليها بعيداً عن أي تجربة مجسّدة، وترتبط بالشاعر في المصير المشترك، ألا وهو النفي. لكن رغم إشارات الشاعر المتكرّرة إلى هذا النفي فإن شعره يقصّر عن التعبير عن الأبعاد الحقيقية لمأساة وطنه أو عن طموحات الفلسطينيين الحقيقية.
• فدوى طوقان
أما فدوى طوقان فقد تطوّرت بشكل مختلف، وظلّت شهرتها تنموا نموّاً مطّرداً شأنها شأن أبي سلمى، خاصة بعد حرب حزيران 1967، ولكنها عكفت على تطوير أسلوبها الخاص في التعبير بين عام 1948 و 1967، فأغنت الشعر العربي الحديث بالشعر الرشيق البعيد عن التكلف، المعبّر عن اكتشاف الأنثى لذاتها وفوزها في تحقيق هذه الذات.(51) كما خدمت الشعر بتحريرها للعنصر العشقي، وبتمهيدها الطريق للصدق العاطفي، متفوّقة في ذلك على معظم أبناء جيلها من الشعـراء الرجال. وخلافاً لمعظم الكاتبات اللواتي بدأن الكتابة بعد نكبة سنة 1948، أي في جو نفسي سادته روح الرفض للمفاهيم والقيم البالية، أظهرت فدوى طوقان مقدرةً فائقة على التعبير عن بهجتها بتحرّر الروح والجسد مع الحفاظ على اللياقة دون الانزلاق نحو ما شاع في بعض الأدب النسوي من الجرأة التي لا يضبطها ضابط. وقد عبّرت قصيدتها في العُباب التي كتبتها قبيل حرب حزيران سنة 1967، عن هذا التحرّر الداخلي العميق والسيطرة الغريزية على أدواتها الشعرية حيث تمتزج عناصر الحب والرغبة والتحليق الروحي بالحرّية الجسدية.(52)
لكن مكانة فدوى طوقان الشعرية لم تبلغ ما بلغته من رفعة إلاّ بعد حرب سنة 1967، عندما انضمّت إلى المجموعة البارزة من شعراء المقاومة الذين كانوا يكتبون منذ زمن داخل إسرائيل نفسها، ويعبّرون عن احتجاجهم ضد الهيمنة الإسرائيلية. وعندما رأت فدوى طوقان وطنها يقع ضحية للاحتلال مرة ثانية، وشاهدت الهجرة الجماعية الجديدة للفلسطينيين الذين أجبروا على ترك مساكنهم،تحوّلت إلى صوت من أقوى الأصوات المنطلقة دفاعاً عن شعبها وعن حقوقه، وكثيراً ما كانت تظهر أمام الحشود الضخمة في الحملات سعياً للحفاظ على إيمان الناس بجدوى النضال والمقاومة.
• العلاقة بين الداخل والمنفى
ظلّ الشعراء والكتّاب الفلسطينيون داخل إسرائيل محرومين من لقاء أبناء بلادهم المهجّرين لسنوات عديدة، ولم يحصل أيّ اتّصال بين المجموعتين إلاّ في أواسط الستينات عندما اكتشف كتّاب الشتات بفرحٍ غير متوقّع – فيما يبدو – وجود نشاط شعري قوي خلف الجدران الحديدية التي فرّقت أبناء الشعب الفلسطيني، فعُرفت عند ذلك وللمرة الأولى أسماء توفيق زيّاد ومحمود درويش (الذي كان ما يزال يعيش في إسرائيل) وسميح القاسم، وأخذت أشعارهم تزوّد القرّاء العرب بسلاح لفظي قوي ضد الظروف المأساوية التي يحياها شعبهم. وقد قدّر لهذه الأسماء التي استُقبلت بابتهاج شديد أن تغدو مع مر السنين أسماء يعرفها الناس على انتشار رقعة العالم العربي.
غير أنه كان من الواضح أن عزلة هؤلاء الشعراء عن زملائهم في العالم العربي لم تؤدّ بهم إلى الجهل بتيّارات التغيير والتجديد الشّعريّين، فقد ظلّوا على صلة وثيقة بالحركة الشعرية الثورية التي قامت في الخمسينات وما بعدها في المراكز الأدبية العربية، وهي الثورة التي أرست دعائم الشعر الحرّ وأحدثت ثورة في عناصر القصيدة الأخرى. ولئن ظل بعض شعراء الشتات مثل أبي سلمى وكمال ناصر وحسن البحيري مخلصين للأشكال الشعرية القديمة التي كانت سائدة قبل سنة 1948 فإن الشعراء الجدد الذين نضجوا في الستينات داخل فلسطين قد ظلّوا على صلة وثيقة بالأحداث الشعرية المهمّة التي كانت تجري آنذاك. وقد انتهى الأمر بأحدهم، وهو محمود درويش، إلى أن يترك إسرائيل في أوائل السبعينات ويصبح واحداً من أبرز الشعراء العرب في العصر الحديث وفي تاريخ الشعر العربي جميعه.
(يتبع)