عرض مشاركة واحدة
قديم 02-Sep-2007, 06:47 AM   رقم المشاركة : [13 (permalink)]
دموع القمر
العضوة الكسولة

 الصورة الرمزية دموع القمر
 





دموع القمر will become famous soon enough

افتراضي

الروايـــة

• غسان كنفاني
بدأ الكنفاني الكتابة أثناء اشتغاله مدرساً في الكويت. وفي عام 1959 عاد إلى دمشق، حيث كانت أسرته تعيش منذ شتات عام 1948، ثم انتقل إلى بيروت حيث أصبح المتحدّث باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. ومع أنه كان يعاني من مرض السكّري، إلاّ أن نشاطه الكتابي كان بغير حدود، فقد تابع، إلى جانب تحريره لجريدة الجبهة، تجاربه القصصية، ووصل إلى مستويات رفيعة من الإبداع في رواياته القصيرة الثلاث رجال في الشمس(1963) و ما تبقى لكم (1966) و عائد إلى حيفا(1969).

كانت رواية رجال في الشمس(62) أول رواية أكسبته الشهرة بين نقّاد الأدب العربي. والقصة تعالج مشكلة البقاء، إذ يحاول ثلاثة رجال، من أعمار مختلفة ومنابت اجتماعية متباينة، الدخول إلى الكويت (التي كانت آنذاك أرض اللبن والعسل التي تعد بإعاشة الكثير من الفلسطينيين الذين لا مأوى لهم ولا مصدر رزق). وكانت هناك شائعات يتناقلها الناس في العالم العربي عن تهريب فلسطينيين لا يحملون جوازات سفر إلى داخل الكويت في الصهاريج الكبيرة التي تنقل المياه إلى تلك الدولة الصحراوية الصغيرة من البصرة (كانت تلك أيام الكويت الأولى قبل بناء منشآت التحلية الضخمة).
وتتحدث القصة عن واحد من هذه الصهاريج يملكه سمسار اسمه أبو الخيزران، وهو فلسطيني كان قد اشترك في حرب 1948 وأصيب فيها بجراح أورثته العنة. وبعد أن يتقاضى أبو الخيزران أجر باهظاً من أبطال القصة سيئ الطالع، يخبئهم في صهريج الماء الفارغ، قبل الوصول إلى الحدود، بنيّة إخراجهم عند الابتعاد عن شرطة الحدود. غير أن موظّف الجمرك يختار هذه المرة أن يتباطأ في عمله ويهدر وقتاً ثميناً في تبادل النكات مع أبي الخيزران حول مغامرات الأخير المزعومة مع العراقيات. ويختنق الرجال الثلاثة عندما يطول حشرهم في الصهريج اللاهب. وتنتهي القصة نهاية مثيرة للمشاعر، حيث يلقي أبو الخيزران بالجثث الثلاث في المزبلة ( وذلك بعد أن يجرّدهم من كل ممتلكاتهم)، وهو يصرخ: لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟ وتؤكد هذه القصة على المفارقة الكامنة في بؤس التجربة الفلسطينية التي أعقبت نكبة 1948 مباشرة وعلى سعي الفلسطينيين المضني من أجل البقاء، وعلى تماثل التجربة المأساوية لدى الجميع لدى اختلاف منشئتهم ومستوياتهم، وفوق كل شيء، تؤكد القصة على ما أصاب روح هؤلاء الفلسطينيين جميعهم من إحباط وكبت نتيجة لما تعرّضوا له من رفض مدمّر وظروف قاسية في هذا العالم العربي الواسع. لذا فقد تركوا الوقت الثمين ينزلق من بين أيديهم، وقد خدّرهم الخوف وهم يتلهّفون على تحقيق حلمهم في الكويت.
هذه القصة الرمزية ذات الأهمية الفائقة، بتصورها المكثّف المليء بالحيوية للعالم المادي والنفسي للفلسطينيين الأربعة، وضعت كنفاني في الحال في طليعة كتّاب القصة في الأدب العربي، والأدب الفلسطيني على وجه الخصوص.
أما روايته الثانية، ما تبقى لكم (63) ، فهي من أبرع ما كتب في القصة الفلسطينية والعربية، وهي محاولة مبكّرة أصيلة، أغلب الظنّ أنها لم تكن واعية، لتحديث الأدب القصصي العربي. ونه لمن المؤسف حقاً أن يموت غسان كنفاني في شبابه ولمّا تندمج بعد هذه الدفقات الحداثية المتقطّعة التي نراها في أعماله في تيّار متجانس ثابت الجريان. ولكن مما يثلج صدر الناقد أن يرى كيف أن كنفاني (وغيره من أوائل الحداثيين أو شبه الحداثيين من أمثال توفيق صايغ ومحمد الماغوط المولود عام 1934) (64) كانوا يجرّبون هذه الوسائل الحداثية بجرأة قبل أن يبدأ الحديث عن الحداثة في الأدب العربي بسنوات طويلة، وما يستوقف النظر أكثر من ذلك أن كتابات هؤلاء المبدعين الثلاثة إلى جانب كتابات الشاعر المصري صلاح عبد الصبور (1931 – 1981)، وهو كذلك من أوائل الحداثيين، لم تحتل هي مركز النقاش عندما غدا موضوع الحداثة موضوعاً رئيسياً في الأدب العربي بدأت بداية مفاجئة لم يجر التمهيد لها بالنظريات أو البيانات – وفي هذا دلالة تكشف أن الفن يعمل بشكل طبيعي في اللاوعي عند الكتّاب المبدعين ويدفع بالمُرهفين منهم نحو الانعطاف في اتجاه معيّن.
نستطيع في حالة كنفاني أن نرى كيف أن عبقريته، التي استجابت بشكل مرهف للإمكانات الفنّية التي سادت في أيّامه، كان عليها أن تصارع عبء الالتزام الثقيل، الذي كان يشعر أنه مدين لشعبه بوصفه كاتباً كرّس نفسه لقضيّته، وربما يفسّر هذا ما أُشرتُ إليه من تفاوت في أعماله من حيث الكمال الفني. كما أن المستوى النقدي في تلك الفترة كان ما يزال يؤثر بوضوح فلم تحرز رواية ما تبقى لكم ما أحرزته رواية رجال في الشمس من استحسان، بسبب ما تتصف به هذه الأخيرة من وضوح في تعريفها لفلسفة البقاء وللمفارقة الكامنة في أساس السلوك الإنساني. أما روايته القصيرة الثالثة، وهي عائد إلى حيفا التي تدرس مشكلتي الهوية والانتماء دراسة عميقة، فليست عسيرة على فهم القارئ العادي.
ويبدو أن كنفاني، كان يكتب كما لو كان مدفوعاً بالفطرة ليخاطب عامة القرّاء أحياناً والمثقفين منهم أحياناً أخرى. وتصوّر عائد إلى حيفا مشكلة زوجين فلسطينيين يعودان إلى حيفا عندما تفتح الحدود بين إسرائيل والضفة الغربية بعد حرب حزيران سنة 1967 ليكتشفا أن ابنهما الذي تركاه عندما هربا عام 1948، نشأ إسرائيلياً على يدي زوجين يهوديين. إنها قصة مؤثرة تدور حول الصراع بين الولاءات المتعارضة، ويخيّب الكنفاني توقّعات قرّائه عندما يجعل الشاب يختار البقاء مع أولئك الذين قاموا بتربيته. والمهم هنا، فيما يشير كنفاني،ليس القومية الساذجة بل الصلة التي تدوم مدى الحياة، وليس صلات الدم بل المناحي الثقافية والإنسانية للحياة.
ويبدي كنفاني في مقدّمته القصيرة للرواية ما تبقّى لكم إدراكاً كاملاً للبنية المعقدة التي اختارها، إذ يوجد في الرواية خمس شخصيات رئيسة (أما الجندي الإسرائيلي الذي يظهر في آخر القصة فهو شخصية ثانوية). وهذه الشخصيات هي حامد ومريم وزكريا والزمن والصحراء. وهناك محاولة بارعة وناجحة لدمج الزمان بالمكان، كما يقول المؤلف نفسه: لا يبدو هناك أي فارق بين الأمكنة المتباعدة أو بين الأزمنة المتباينة، وأحياناً بين الأمكنة والأزمنة في وقت واحد. ويصف كنفاني عالم القصة بأنه عالم مختلط لا بد من إعطائه للقارئ دفعة واحدة.
ليس من الواضح إن كان فهم كنفاني ظاهرة المكان، على أنها شيء وجودي حاسم في الحياة الفلسطينية، ينبع من إدراكه للظاهرة نفسها في الشعر العربي القديم، حيث تمثّل الصحراء دوراً رئيساً في ترميز الشاعر لرحلة الإنسان المضنية عبر الحياة. وفي روايتيه الأوليين نجد للصحراء أهمية كبرى في تحديد مصير أبطاله، فالصحراء في رجال في الشمس هي التي تقرر مصير شخصياته بشمسها اللاهبة – التي وصفها ذو الرّمة قبل قرون عديدة بأنها شيء راسخ في السماء تطنّ في رأس المسافر وتسيطر عليه – على أن المسافر عند ذي الرمّة يصل دائماً إلى مبتغاه مهما أضناه السفر وأضعفه، وذلك يرمز إلى قدرة الإنسان على الاحتمال، أما في رجال في الشمس فإن الصحراء والشمس تهزمان الفلسطيني وتقضيان عليه. وفي ما تبقّى لكم يجابه الصحراء ليلاً، واليل ظاهرة مخيفة أخرى للمسافر القديم، حيث تتلفع الصحراء بدثار كثيف من الوديان والهضاب عليها من الظلماء جلّ وخندقُ، وحيث تتجاوب أصداء الليل ويزيد من حدّتها ذلك الصمت الذي يلفّ كل شيء.(65) غير أن كنفاني يجعل الفلسطيني في هذه الرواية القصيرة يواجه مصيره، حيث يستثير لقاؤه بالعدو كل شجاعته وتصميمه، أي أننا نبتعد هنا كثيراً عن القبول الخانع بالموت في صهريج الماء.
تدور حبكة الرواية حول عائلة تفرّقت خلال أحداث سنة 1948، فينتهي المطاف بالأخ وأخته في غزّة عند عمّة متقدّمة في السن، بينما ينتهي المطاف بالأم في الأردن.
وتستلم مريم، التي تبلغ الخامسة والثلاثين من عمرها وتكبر أخاها حامد بكثير، لإغراء الجنس، فتنشئ علاقة غرامية مع رجل متزوج معروف بنذالته وتعاونه مع السلطات الإسرائيلية. وعندما يكتشف حامد أن أخته حامل يكاد ذلك يدمّره، فقد لحق العار بشرف العائلة علي يد متعاون مع العدوّ، وهذا ما يزيد الأمر سواءأ. ويكون على مريم أن تتزوّج زكريا، ويقرّر حامد أن يلتحق بأمّه في الأردن تفادياً للعار الذي ألحقته مريم بالعائلة، وذلك بعبور الصحراء المخيفة مشياً على الأقدام في الليل تفادياً للحرارة وللدوريات الإسرائيلية.
ويلجأ المؤلف ببراعة فائقة إلى تقنية غاية في التأثير، إذ يتحدث عن ساعة معلّقة على الجدار في بيت مريم حيث تجلس بالقرب من زوجها مطأطئة الرأس والعذاب يعتصرها، وعن ساعة يد حامد التي يحملها. الأولى توقّت حركة أفكار مريم وذكرياتها المضطربة، والثانية توقّت خطوات حامد عبر الصحراء، والساعتان تقيسان الزمن بدقاتهما التي ترافق الحركات المتزامنة في القصة، ويقصد منهما أن تعبرا عن العذاب المشترك لكلتا الشخصيتين الرئيسيتين مع انتقال السرد من مريم وهي تراقب وتفكّر وتتألّم إلى حامد وهو يواجه الرعب في رحلته بعيداً عن فظاعة الواقع الذي خلّفه وراءه. وهناك قدر كبير من الاستعادة الذهنية خلال موازنة البطلين لوضعهما الراهن مع الماضي المباشر والبعيد. وتتشابك الفترات الزمنية، أما الشيء الوحيد الثابت فهو الصحراء بقلبها النابض الذي يريح حامد رأسه عليه. وتتحدّث في هذا العمل ثلاثة أصوات يشار لها بصريّاً بتغيير حجم حروف الطباعة، وهي أصوات حامد ومريم والصحراء ذاتها. والصحراء تتدخّل لتفسّر اللحظة الراهنة، ولتضيف بعداً آخر للأحداث التي تتألّب على حامد: وكان بعيداً أيضاً عن الطريق، والليل يتسرّب من حوله دون أن يدري. وددت لو أستطيع أن أقول له شيئاً إلاّ أن الصمت هو قدري..
بعدئذٍ تتشكّل خاتمتان معاً رغم البون المكاني الشاسع بينهما: إذ يخيّر زكريّا عروسه بين الإجهاض والطلاق، ويواجه حامد حارساً إسرائيلياً. وتكون مريم تحت رحمة القدر تماماً، إذ تجد نفسها وقد حوصرت وأذلّت وصارت وحيدةً في العالم بعد رحيل شقيقها، وليس لديها من طريقة للحفاظ على الحياة التي تنمو داخلها إلا بقتل الرجل الذي سبّب لها كلّ هذا الأسى. كذلك يدرك حامد أنه لا يستطيع البقاء إلاّ بقتل الجندي الإسرائيلي. وتمرّ فترة طويلة بالغة الأثر وهو يراقب عدوّه، ثم تنغرز سكّينتان: سكّينة مريم وسكّينة حامد، في الوقت نفسه في ضحيّتيهما. ومن الواضح أن حرص كنفاني على اللياقة والتوازن الداخليين يجعله يتردّد قبل أن يسمح لنفسه بقتل الجندي الإسرائيلي، فلا يحصل ذلك إلاّ بعد أن يسمع حامد أصوات جنود إسرائيليين آخرين يقتربون مع كلابهم. الفلسطيني هنا ملاقٍ مصيـــره لا محالة، ولكنه – على الأقل – لا يموت خانعاً، بل يقاوم حتى النهاية.(66)
(يتبع)
توقيع دموع القمر
 
[
سلام اذا حان وقت مماتي,,,وغطى التراب الطهور رفاتي
فــــلا تــذكرونـــي بسوء,,, فيكفي حبي لكم طوال حياتي
دعوني أنم في قبري سعيدة,,, وعذرا عن كل ماضٍ وآتي ...
دموع القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس