إن الترحيب الشامل الذي لقيته الرواية لم ينشأ بالدرجة الأولى من كشفها عن التجربة المريرة التي يحياها الفلسطينيون تحت الحكم الإسرائيلي (رغم أن ذلك قد زاد في تأثيرها)، فقد نالت الرواية ما نالته من التفريط لأنها مثلت – على المستوى الفني – تحدّياً للنماذج الموجودة من الرواية العربية، ولبراعتها الفائقة في توظيف الأسلوب الساخر الذي تندرج في ثناياه عناصر الكوميديا والبطولة المأساة.
• جبرا إبراهيم جبرا
كان جبرا إبراهيم جبرا أول روائي فلسطيني يحقق شهرة في أرض الشتات. وقد تحوّل جبرا، بعد مجموعته من القصص القصيرة في الخمسينات، إلى الرواية، وهي النوع الأصعب في الفن القصصي لأنها الأكثر ملاءمة للتجربة ذات المدى الأوسع والآفاق التي كان يسعى لتصورها،(69) وقد بدأ تجاربه في هذا الشكل الفنّي في الخمسينات، ونشر حتى وفاته في 12/12/1994 سبع روايات، كشفت أولاها، وهي الصراع في ليل طويل (1955)، عن طبيعة فكره ومجال رؤياه، وهما أمران ظلاّ باديين فيما تلا من أعماله.
وكتب روايته الثانية، وهي صيّادون في شارع ضيق بالإنجليزية، ونشرها عام 1960، ثم ظهرت ترجمتها العربية سنة 1974. غير أن سمعة جبرا الروائية توطّدت بعد ظهور رواية السفينة (1970)(70) ، ثم ازدادت رسوخاً بعد صدور البحث عن وليد مسعود (1978)(71). ثم تعاون على كتابة رواية مشتركة مع الكاتب السعودي الأصل عبد الرحمن منيف، وهو روائي كان قد بزغ نجمه مؤخراً(72) واكتسب شهرة في وقت قصير برواياته الجريئة التي تتناول موضوعات سياسية واجتماعية ذات أهمية كبرى،على روايتهما المشتركة عالم بلا خرائط(1982). وقد عانت هذه الرواية – كما هو متوقّع- من الاختلافات الأساسية التي يتعذّر التوفيق بينها في أسلوب كلّ من الكاتبين ورؤيته، كما أنه لا تعد من خبرة ما كتبه أيّ منهما. وكان من أواخر ما قدّمه جبرا في عالم الرواية، رواية الغرف الأخرى (1986)، وهي عمل يقوم على المفارقات الغريبة، حيث يكون فيها هو الشاهد والمتّهم والممثل والمتفرّج، في الوقت نفسه. وتقترب الرواية من الكوميديا السوداء وتقوم على واقع يبدو أشدّ استحالة من الحلم.
العنصر الرئيسي المميّز في روايات جبرا إبراهيم جبرا هو ذلك البيان المتوهّج في أسلوبه. إنه يبدي في رواياته كلها مرونة لغوية فائقة، وطاقة فيّاضة، ونفساً شعرياً مميّزاً، وبراعة كبيرة في اختيار الألفاظ. وبينما يكتب أسلوبه محتفظاً بصفائه وشفافيته، فإن باستطاعته أن يتناول المواضيع الحميمة، أو التي تحتاج إلى أعمال الذهن حسب مقتضيات الموقف، دون أن يفقد طلاقته وكياسته المميّزين. لكن جبرا كاتب حديث، ولذا فهو لا يلجأ إلى الأسلوب البلاغي الفخم في الأدب العربي القديم، لأنّه يدرك أن هذا الأسلوب لا يناسب اللغة الاستطرادية الحميمة للرواية. ومن الملفت للنظر أن شعره النثري لا يحافظ على ما يتصف به نثره من زخم وقوّة اندفاع مدهشين،فكأنه يخشى هنا أن يقوده الموضوع الشعري إلى الميوعة العاطفية، ولذا فإنه يتفادى ما هو عاطفي أو حتّى ما هو حميم، ويستعين بأسلوب خافت نجده، في أغلب الأحيان، جافاً خالياً من الإثارة والإيحاء.
يعزز الأسلوب الفريد في روايات جبرا المغزى الداخلي في تلك الروايات، مما يؤكد أن السمة الخاصة لعقل الكاتب هي ما يميّز اختياره لكل من الأسلوب والموضوع اللذين يجتذب أحدهما الآخر للتعايش معاً. إن أغلب الروائيين العرب يبدون اهتماماً أشدّ بالموضوع منه بالأسلوب، ولو أنّ ثمة كتّاباً آخرين، والحقّ يقال، من أمثال الكاتبين السوريين سليم بركات وحيدر حيدر يمتلكون أسلوباً متميّزاً، لكن يبدو أن هؤلاء الكتّاب لم يكن لهم تأثير واضح على غيرهم من كتّاب العصر. وقد تبيّن في هذا المجال أن النثر أشدّ مقاومة للتغيير من الشعر، فقد انتشر الأسلوب الذي ساد الشعر العربي (ومنه الفلسطيني) طوال الستينات والسبعينات – وهو أسلوب صعب يعتمد على الابتكار ويلجأ إلى الصور المجازية البالغة التعقيد- انتشار النار في الهشيم بين الشعراء الشباب، إذا اعتقد الشعراء أنهم لن ينجحوا إلاّ إذا استخدموا الأساليب الشعرية السائدة في تلك الفترة. أما في القصة فقد حافظ الكتّاب العرب على أساليبهم الخاصة، واختار معظمهم، ومنهم نجيب محفوظ، أبرز الروائيين في العالم العربي، أن يكتبوا بأسلوب سليم واضح، يتصف عموماً بالسهولة والاستطراد، بينما قامت شعبية جبرا في مجال الرواية وعلى براعته اللغوية الفائقة وتدفّق أسلوبه.
ويتناول جبرا في رواياته، كما في قصصه القصيرة، حياة الصفوة من المفكّرين في المقام الأول. وقد يصل ولعه بتفصيل الأفكار (التي كثيراً ما تعكس المشاغل الكبرى داخل العالم العربي) إلى درجة مزعجة من المبالغة والتضخيم، كما يحصل في رواية السفينة عندما يجعل صبيين في الرابعة عشرة من العمر في قدس الثلاثينات يتناولان بالنقاش الفلسفي موضوعات من بينها لوحة لبوتيتشيلي Bottiecelli وكتابات أناتول فرانس Anatole France، مما لا يمكن تصوّر صدوره في ذلك الوقت عن صبيّين في تلك السنّ، خاصة وأن الصبيّ الذي يبدأ الحديث الجدي الذي ينم على معرفة واسعة جداً بموضوع مثل بوتيشلي يعيش في حالة فقر مدقع في أحد أحياء القدس الفقيرة. لكن يبدو أن عادة جبرا في تحويل كل شيء إلى موضوع للنقاش الفكري عادة يصعب كبحها.(73)
السفينة رواية ذات بنية معقّدة، حيث تمزج أحداث الحاضر بماضٍ لا يّمحي ويكمن في الأساس من عواطف أبطال القصة وأحلامهم وطموحاتهم ويأسهم. وتدور الرواية حول تجربة النفي والذكريات والحنين إلى الماضي؛ وحول الصراع الجسدي والنفسي والمأزق الفكري. والزمن في هذه الرواية يستعاد على هيئة ومضات متلاحقة، بحيث يتداخل الماضي بالحاضر ويتحقق الحاضر بقوة الماضي بشكل يعكس حضور الماضي الدائم في وعي هؤلاء الأبطال. نه من غير الممكن تلخيص القصة بأسطر قليلة، حيث إن معظمها متشابك مع الذكريات ومع حبكات فرعية تلتقي كلها لتؤثر في الأحداث وتؤدي دورها في الوصول إلى حل العقدة في نهاية الرواية. وهناك مأساة في الكتاب، إذ تنتحر إحدى الشخصيات الرئيسة في النهاية. غير أن القصة تنتهي بنبرة إيجابية كما أن لو أن الموت شكّل مخرجاً للمؤلف ولبعض الشخصيات الرئيسة الأخرى، فكسّر حدّة المأساة بوعدٍ – وإن لم يكن غير مؤكّد – بحياة أفضل للآخرين.
هناك، من بين الشخصيات الرئيسة في الرواية، ثلاثة من العراقيين هم المهندس عصام السلمان والجرّاح فالح عبد الحسيب والمثقّفة الجميلة لمى. أما الشخصية الرئيسية الرابعة فهو رجل الأعمال الفلسطيني وديع عسّاف الذي يعمل في الكويت. وتتضمّن الحبكة المتشابهة العلاقة بين وديع عسّاف وخطيبته اللبنانية مها الحاج وارتباط الطبيب الجرّاح بعلاقتين ثلاثيتي الأطراف: فهو متزوّج من لمى ولكنه يتبادل الحب مع إميليا فرنيزي، بينما تكون زوجته على علاقة حبّ مع عصام السلمان. وتلتقي هذه الشخصيات جميعاً – باستثناء مها – على ظهر السفينة هيركيوليز، وهي سفينة سياحية تتنقّل ما بين بيروت ونابولي. لكن اللقاء لا يجري عن طريق الصدفة، فقد أقنعت لمى زوجها باصطحابها في هذه الرحلة البحرية عندما علمت أن عصام السلمان سيكون من ركّاب السفينة، بينما كان فالح قد خطّط سرّاً لهذه الرحلة مع إميليا التي كانت بدورها قد أقنعت صديقتها منها (أو هكذا اعتقدت) بالسفر مع خطيبها.
وتكمن خلف كل ذلك الطبيعة المعقّدة لأبطال الرواية الرئيسيين، فعصام هارب من بغداد بسبب عجزه عن مواجهة مشكلتين: زواج لمى الذي يجد أنه لا يستطيع احتماله، وثأر قبلي نشأ عن خلاف على الأرض جعل والده يقتل أحد أقرباء لمى، ويقضي بقية حياته في المنفى. وكان هذا الثأر القديم في الحقيقة هو الذي حال دون زواج عصام من لمى التي كان قد التقاها أثناء دراستهما في إنجلترا، فأدّى ذلك بلمى إلى القبول يائسة بزواج مصلحة ربطها بالجرّاح المبرّر الثري.
أما الفلسطيني وديع عسّاف فإنه يتمسك، إلى جانب حبه لمها، بحلم العودة إلى فلسطين، وإذا كان عصام يهرب من المشكلات التي خلقها نزاع حول أرض ورثها عن أجداده ووجد الحلّ في التخلّي عن ملكية هذه الأرض، وعن الصلات المتعلّقة بها، فإن ما يعطي لحياة وديع معنى وهدفاً هو أمله باستعادة الأرض في فلسطين، وهذا ما يعكس ارتباط ثروة لا بأس بها واشترى فعلاً قطعة من الأرض في فلسطين، حيث ينوي أن يقيم بيتاً كبيراً يعيش فيه مع مها. لكن مها تتردّد في ترك مهنتها الناجحة في بيروت وتعدّه حالماً رومانسياً، وكان الذي دفعها في آخر لحظة ألاّ ترافق وديع في رحلته البحرية هذه، شجار جديد نشب بينهما حول هذه المسألة.
وديع متعلّق كذلك بالذكرى الأليمة لموت صديقه فايز خلال أحداث عام 1948. وكان فايز هذا صبياً موهوباً يحبّ الرسم ويأتي من حيّ من أحياء القدس الفقيرة، وقامت بينه وبين عسّاف الصبي صداقة حميمة، كما حاربا ضد الصهاينة جنباً إلى جنب. وقتل فايز ولكنه ما زال يعيش في ذاكرة صديقه الحيّة، صديقه الذي لا ينسى قط موهبته الفنية، وصداقته الحميمة، أو المعرفة والأفكار الذكية التي كان يكتسبها بسرعة فائقة في قدس الثلاثينات والأربعيات.
تتخلّل الرحلة على الهيركيوليز مواقف متفجّرة، ففي إحدى الأمسيات تثير لمى زوجها إلى حدّ الجنون برقصها على ظهر السفينة فيرغمها على العودة معه إلى القمرة. وتهب عاصفة تصيب الجميع بدوار البحر إلاّ إميليا وفالح ووديع، وخلال هذه العاصفة يدرك وديع أن إميليا وفالح عاشقان (ونحن نعرف أنهما كانا يلتقيان سرّاً من خلال زيارات فالح العديدة لمتابعة الحالات المرضية التي كانت إميليا تتظاهر بها).
(يتبع)