عرض مشاركة واحدة
قديم 02-Sep-2007, 06:53 AM   رقم المشاركة : [16 (permalink)]
دموع القمر
العضوة الكسولة

 الصورة الرمزية دموع القمر
 





دموع القمر will become famous soon enough

افتراضي

وعندما ترسو السفينة في نابولي يخطط أبطال الرواية للذهاب إلى كابري، ولكن يتخلّف البعض عن ذلك، فلمى تدّعي أنها مريضة ثم تذهب خلسة مع عصام إلى نابولي حيث يراهما فالح وإميليا (اللذان كانا يفعلان الشيء نفسه) وكلّ منهما يتأبط ذراع الآخر والسعادة بادية عليهما. وبذا تفسد متعة فالح ويشعر بإحباط وغضب جامحين لعدم تحقيق السعادة المنشودة في اللقاء الذي كان قد خطط له مع إميليا في فندق كان قد حجز فيه غرفة لذلك الغرض. ثم ينتحر عندما يعود إلى السفينة في تلك الليلة.
وتبيّن الرسالة التي تركها للمى قرب علبة الحبوب الفارغة، أن فالح كان قد خطّط لهذا الانتحار منذ مدّة، أي أن القرار لم ينشأ في الحقيقة من الصدمة التي سبّبها له خداع زوجته. ويبدو من النظرة السطحية أن الانتحار لم يكن له ما يبرره على الإطلاق، ففالح يمتلك فيما يبدو كلّ ما قد يرغب به مثقّف عربي يعيش في بلد غني من بلاد الشرق الأوسط في هذه الفترة بالذت: النجاح في المهنة، الزوجة الجميلة، المال، النساء، المركز الاجتماعي. فهذا كان في الواقع حلم الآلاف من المهنيين العرب في تلك الفترة التي تهيأت فيها فرص كثيرة لجمع الثروة، فشاع بين الجميع تعطّش محموم للمتعة والممتلكات الماديّة.(74)
ولكن فالح كان يفكّر في الانتحار منذ مدة(75) وهذا ما يستبعد الظنّ بأن فالح ربما انتحر لمس فجأة – وهو المثقف النكد المتشائم – سخرية الحياة وكيف يمكن للخداع أن يكون سيفاً ذا حدين.
صحيح أن الانتحار ليس أمراً شائعاً لدى العربي، لكن هناك في كل ثقافة من الثقافات من تضرب أمزجتهم ونزعاتهم وتكوينهم الفكري بالقاعدة العامة عرض الحائط. والحقيقة هي أن شخصية فالح وطريقة تفكيره ليستا من النوع الذي اعتدنا عليه، ولذا فقد نتوقّع منه – والحالة هذه – نمطاً سلوكياً يبرز فيه اختلافه برد فعله (غير المألوف في مثل هذه المواقف) لخداع زوجته، خاصة وأنه كان في اللحظة ذاتها يرتكب ذالت النوع من الخداع. أما جنونه السابق إزاء رقص لمى المثير على ظهر السفينة والجميع يتفرّجون بعيون نهمة فإنه – في الأساس – ليس أكثر من الغيرة ونزعة التملّك المعتادين عند الرجل العربي نحو زوجته، سواء أكانت موضع حبه أو لم تكن. ومن المعروف أن استجابة العربي للأمور الجنسية يغلب أن تكون – مهما ارتقت ثقافته – استجابة تقليدية لا تؤدي عادة بالرجل إلى الانتحار بدل الاقتصاص من زوجته. ويؤكد فالح لزوجته، في رسالة الانتحار التي تركها لها، أنه عندما رآها ترقص بتلك الطريقة المغرية أراد قتلها في التو واللحظة، ولكنه تركها وقرّر قتل نفسه. إن هذا التصميم الذي يعكس ردّ فعل غاية في الاختلاف يظلّ أمراً لم يعرضه المؤلف بشكل مقنع.
ولربما كان أكثر إقناعاً، في ضوء الأفكار والسمات التي أضفاها جبرا على شخصية كل ما يمكن أن توفّره الثروة من متع، قد أكّد له عبثيّة حياة (في المراتب العليا من المجتمع العربي ) موقوفة على التفاهات،كما أكّد لها خواءها وعجزها عن الكفاح، ذلك أن جبرا كان قد قدّم هذا الوصف لحياتهما فيما سبق. لكن جبرا خذلنا خذلاناً شديداً عندما لم يعزُ انتحار الطبيب إلى ذلك، بل إلى استجابته شبه الميتافيزيقية إزاء أهواء زوجته الجامحة وإلى الجمال المغناج الذي يمتاز به جسدها الشهواني وهي تعرض مفاتنه على العالم.
ليست السفينة مأساة من الناحية الفنيّة، فلا بدّ للرواية حتى تكون كذلك من أن تركّز تركيزاً أكبر على الشخصية المأساوية وأن تثير فينا إحساساً أشدّ بأهمية هذه الشخصية في سياق العمل كله بحيث نرى أن موت هذه الشخصية له تأثير مأساوي على الأحداث. فالمأساة هي النهاية الحادة الحاسمة التي لا مردّ لها. أما موت فالح فكل ما يمكن أن يحدثه هو تحويل مسار الأحداث نحو الأفضل، كما أنه لا يؤثر مأساوياً على حياة الشخصيات الأخرى. وعلى الرغم من كلّ ما تبديه لمى من حزن، فإن القارئ يعرف أن المستقبل أمامها ملئ بالوعود والإمكانات. أما عسّاف فإن مها، التي انضمّت إليهم الآن تقرر أن الحية معه هي قمة أولوياتها، وتنتهي الرواية بالتئام شملهما السعيد في نابولي.
لكن انتحار فالح يثير الاهتمام من وجهة نظر أخرى، ذلك أن يتضمن تصويراً موضوعياً لشخصية تقع لا خارج نطاق حياة المؤلف وتجربته وحسب، بل تتناقض معهما تناقضاً تاماً. ونلاحظ أن جبرا يميل دوماً إلى تصوير شيء من نفسه في شخصياته الرئيسة مما كان يودّ لو حققه شخصياً. وديع عسّاف في السفينة، ووليد مسعود في البحث عن وليد مسعود، وجميل فرّان في صيادون في شارع ضيّق كلهم فلسطينيون مثله، وهو يصوّرهم جميعاً ناجحين، متحضّرين، مثقّفين، مشحونين بالعاطفة والطاقة، جذّابين محبوبين،وفوق كل ذلك يمتلكون ناصية الحياة. إنهم لا يتصفون بالمناكدة أو الحقد أو اللؤم أو الخبث. أما غضبهم وحزنهم على ما لحق بشعبهم فيتحولان إلى تصميم إيجابي على النضال بشكل أو بآخر، فالفلسطيني الذي يملك قضية يعيش ويحارب من أجلها، ولديه أفق يسعى إلى بلوغه ومعركة يخوضها مع معتد خارجيّ، لا يصوّره الكاتب عدمياً أو انهزامياً، كما أنه أبعد ما يكون عن الرغبة في تدمير الذات. ويعيش هؤلاء الأبطال الثلاثة،كما يعيش جبرا نفسه، في منطقة الخليج ما بين بغداد والكويت فيشتركون في تجربة النفي من المنطقة ذاتها في فلسطين (القدس أو بيت لحم)، كما أنهم يفلحون جميعهم في دخول الصفوف العليا من المجتمع (في بغداد أو في غيرها من مدن العالم العربي)، ويحتفي ثلاثتهم بالنضال الفلسطيني من أجل التحرير) وجميعهم يتمسّكون بحلم كبير: حلم العودة إلى وطنهم المفقود واستعادة الأرض والجذور، كما يحملون في حناياهم مشاعر مسيحية عيمقة يصورها جبرا بلغة فكرية وروحية غاية في الصقل والتألق، مما يعبّر عما تبقّى لديه من شغف بالفلسفة المسيحية التي كان قد تشرّبها خلال نشأته الأولى. وأخيراً يتصف الثلاثة باتقاد العواطف والانجذاب الشديد نحو الجنس الآخر، كما يمتلك بعضهم (كما في حالة مسعود) شهوانية لا ترتوي، لكنها شهوانية مهذّبة ومصقولة في الوقت نفسه.(76)
إن بوسع فالح كذلك أن يظهر عاطفة جيّاشة أحياناً، كما يفعل في رسالة الانتحار الموجّهة إلى لمى حين يصف لقاءه الأول بإميليا، وبعبارات تذكّرنا بتجارب كل من مسعود وعسّاف المفعمة بالعاطفة، ولكنه، خلافاً لهما، يجد أن هذه العاطفة تخذله في بعض الأحيان عندما يقع ضحية الغثيان واليأس الوجوديين، فهو يحمل سمة الإنهاك الروحي العام، إنهاك المثقّفين العرب الذين يشعرون بالعجز التام عن محاربة النظم الرجعية التسلّطية اللامتنورة في بلادهم، ولا أمل لديهم، في المستقبل المنظور، بأي علاج للفوضى وسوء الإدارة المفروضة على عالم عربي ظلّ يعاني، على مدى قرون عديدة، من كل أنواع المؤامرات المحاكة ضد حريته، إذ النضال في ظلّ نظم كهذه ليس سبيلاً إلى الموت وحسب – فللموت نبله وجاذبيته في نظر الثائر – بل هو أيضاً موصوم ومشبوه. إن فالحاً يعاني من شذوذ عن القاعدة يجمّد الحافز للنضال عنده، فهو يعجز من ناحية عن النهوض لمجابهة وحشية السلطة ومن ناحية أخرى يصمّ أذنيه لكي لا يسمع ذلك الكلام الخطابي التعس الذي يملأ العالم من حوله، وفي حالته هذه يدفعه الغثيان إلى طريق مسدود على الصعيدين الفكري والعاطفي.
ولرواية السفينة أهمية خاصة في هذا المجال لما تبرزه من تباين جذري، ولو ضمنياً، بين الشخصية الفلسطينية وغيرها من العرب الآخرين، فالانتحار في النهاية يشير إلى توقّف السعي، ولكن خارج عالم الفلسطينيين. لعلّ جبرا لم يكن قد فكّر واعياً بهذا الأمر، ولكن من المؤكد أنه ما كان ليختار فلسطينياً فيصوّره تائهاً على وشك الانهيار ويجسّد فيه الشكوك والعذابات واليأس كما مثّلها جميعاً عند فالح بذلك الشكل المفجع.
لا تتّسع هذه المقدّمة لبحث مستفيض عن رواية جبرا المهمّة الثانية البحث عن وليد مسعود . يكفينا القول هنا إن هذه الرواية صرح شامخ للأسلوب والأفكار والوطنية والمشاهد العشقية التي يتمكّن فيها جبرا من الارتفاع بالعاطفة والسمو بالعشق رغم انغماس بطله الواضح في الجنس.إن البحث عن وليد مسعود شأنها شأن السفينة، لا تخلو من المآخذ ومع ذلك فإن هذا الروائي الآسر،المتمرّس، المتعدد الجوانب، البعيد الغور قادر دوماً على أن يبعث فينا شعوراً بالإثارة والمتعة، وأن يقدّم لنا حوافز فكرية وجمالية لا تفارق أذهاننا لأمد طويل.
• إبراهيم نصر الله
ومن أبرز الروائيين الواعدين في أيامنا هذه (وهو شاعر كذلك) إبراهيم نصر الله، الذي تمثّل روايته براري الحُمّى (1985)(77) تجربة مهمة في الأدب العربي الحداثي.
والقصة تدور حول حياة معلّم عربي يعمل في منطقة من أكثر المناطق نأياً وعزلة في المملكة العربية السعودية (وهو وضع عانى منه مئات المعلّمين). وقصة الأستاذ محمد قصة اغتراب عميق ووحدة موحشة، فهو يعاني من المخاوف المرضية والهلوسة والكوابيس، كما يتعرّض للاستغلال المطلق ويكون الضحيّة على الدوام. وتصف الرواية مكاناً متخلّفاً تخلّفاً ساحقاً، إذ يخلو من ضروريات الحياة العصرية خلوّاً تامّاً، ويسوده ما خلّفته العصور الوسطى من محرّمات وعادات، وتتضافر فيه الأعراف الموروثة والمتّبعة دون أي مرونه مع أجهزة الدولة الصّماء لحرمان الفرد من أدقّ متطلبّات الحياة الطبيعية. وهناك تغيب شخصية المرأة غياباً يبعث الاضطراب العميق، ولذا فإنها تغدو طيفاً لا يمكن الإمساك به، وحلماً مبهماً يستحيل تحقيقه.
ولكن الإنجاز الأكبر لهذه الرواية هو ذلك الترابط بين شكلها ومحتواها، والتوازي الزمني بين أحداثها وذكرياتها وأحلامه. وتشكّل الصحراء، كما في روايات كنفاني، معلماً رئيساً في هذه الرواية، وقوّةً هائلةً تخلخل الزمن وتجعله يتسرّب في كل اتجاه، فيخلط الماضي بالمستقبل، بينما يؤكد على الحاضر الذي يغدو هوّةً مرعبة لا تحتمل، تجثم فوقها الصحراء المجدبة إلى ما لانهاية.إنّ هذه الرواية تصوّر المعاناة الهائلة التي تعرّض لها آلاف الشباب ممن أخذوا يغامرون، منذ اكتشاف النفط، بالذهاب إلى هذه المناطق الصحراوية النائية المنغلقة على نفسها في شبه الجزيرة العربية بحثاً عن لقمة العيش. والرواية محاولة إبداعية فريدة تقريباً (دون السعي لذلك سعياً واعياً) على العلاقة بين المؤلّف وجمهوره الذي يشكّل هو نفسه جزءاً من العملية الإبداعية.(78) إبراهيم نصر الله يمثّل في هذه الرواية القلة من الذين يكتبون دون الانشغال الدائم بجمهور يسعى إلى جلب استحسانه ورضاه. إن هذه الرواية صعبة لا يتضّح منطقها ومغزاها بسهولة عند القراءة الأولى، بسبب أسلوب سردها الذي لا يتتابع في خط واحد، وبسبب منظورها المتعدّد الأبعاد.

(يتبع)
توقيع دموع القمر
 
[
سلام اذا حان وقت مماتي,,,وغطى التراب الطهور رفاتي
فــــلا تــذكرونـــي بسوء,,, فيكفي حبي لكم طوال حياتي
دعوني أنم في قبري سعيدة,,, وعذرا عن كل ماضٍ وآتي ...
دموع القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس