عرض مشاركة واحدة
قديم 02-Sep-2007, 07:01 AM   رقم المشاركة : [18 (permalink)]
دموع القمر
العضوة الكسولة

 الصورة الرمزية دموع القمر
 





دموع القمر will become famous soon enough

افتراضي

• مريم قاسم السعد
ومن الأمور التي تبرز، عند القراءة المتأنية لأدب الشتات، انعدامُ الارتباط بالأمكنة الجديدة التي نزل فيها الفلسطينيون في أيّ مكان خارج وطنهم، فهذه الشاعرة مريم قاسم السعد، التي تعيش في الولايات المتحدة، تصوّر الشوق الأبدي للجذور، وتقول في قصيدتها القصيرة رؤية:
السنون تمضي
والانتظار يستمر
والإيمان الواثق يبقى
هالة تضيء الأجيال
الرؤية تبقى حية.(85)
لكن قد تكون بيروت وصيدا وصور وبقية الجنوب اللبناني استثناءاً لأنها كثيراً ما تذكّر بمحبّة ومودّة. أما عمّان، حيث جرت الحرب الأهلية في أيلول عام 1970 (أيلول الأسود) فإن اسمها في الذاكرة مقترن بتجارب مؤلمة، والإشارات الإيجابية للقاهرة أو دمشق أو بغداد قليلة في هذا الأدب.
• موقف الكتاب الفلسطينيين من المدينة
ومما يتّصل بهذا البحث أن نتحدّث عن موقف الكتّاب الفلسطينيين من المدينة بشكل عام. إن المدينة ولتركيز على ما فيها من نواح سلبية موضوع بارز في الأدب العربي الحديث، خاصة في الشعر. ليس بالإمكان التوسّع في هذا الموضوع الغني هنا، لكن هذا الموضوع أضحى جزءاً من الاتجاه الحداثي منذ أن صب السيّاب جام غضبه على المدينة في الخمسينات واصفاً شوارعها:
وتلتفت حولي دروب المدينة
حبالاً من الطين يمضغن قلبي.
إلى أن يقول:
ويمناي لا مخلب للصراع فأسعى بها في دروب المدينة
ولا قبضة لانبعاث الحياة من الطين
لكنها محض طينة(86)
والمدينة هنا جدار صلد لا يمكن اختراقه، ومتاهة يضيع الشاعر في دروبها، وقد رأى فيها الشعراء آخرون مكاناً للرشوة والفساد والانحلال الاجتماعي والتآمر السياسي.
إنها أرض مليئة بالصبار، أو مطحنة، أو مفازة، أو مجرى قاذورات ليس له قرار، وغربة الشاعر فيها كاملة. كان هذا الموضوع من أبرز ما تناوله الشعر الحداثي، حيث امتزجت تجربة الشاعر عموماً في المدينة المخيفة بالتجربة الجماعية الساعية إلى فهم أعمق لمعنى الصراع بين المدينة والريف.
أما الاستثناء الوحيد لهذا الموقف من المدينة فنجده في الأدب الفلسطيني، فالمدينة الفلسطينية لم تكن يوماً ثمود أو سدوم أو عمورة، كما لم تكن يوماً مصدر تهديد أو مستودعاً للقذارة والفساد، بل كانت دوماً المدينة الضحيّة، ولم يكن الناس فيها يشعرون بالاغتراب والاستلاب لأنّها إمّا مدينة محاصرة يحتلها الغاصبون، أو مدينة فقدها أهلها وفي كلا الوضعين لا يمكن أن يكون ثمة اغتراب. والرعب المتصل بالمدينة الفلسطينية رغبٌ خارجي لا يصيبها على أيدي بنيها كما يحصل في المدن العربية الأخرى، بل تصيبها قوى خارجية معتدية. وهي ليست مدينة ضحية فقط، بل هي أيضاً مكان للبطولة، وموطن للمقاومة والنضال الوطني. ففي إحدى قصائده يصوّر راشد حسين (1936 – 1977) مدينة القدس وقد دقّت فيها ساعة المقاومة معلنة ميلاد الحقيقة. (87) ويصفها سميح القاسم في الأبيات التالية:
وعلى منعطف الشارع،
في أقصى المدينة
كان أطفال التواريخ الحزينة.
يجمعون الكتب والأخشاب واليتم،
البراويز، وأوتاد الخيام
علّها تصبح متراساً
يسدّ الدرب في وجه الظلام.(88)
هذه ليست مدينة الهزيمة التي تسكن بقية الشعر العربي، بل هي مدينة المقاومة بعد الهزيمة التي تفجّرت برقوقاً كما
قول محمود درويش، ويضيف:
قفي ملء الهزيمة يا مدينتنا النبيلة....
قد صار للإسمنت نبضٌ فيك
صار لكل قنطرةٍ جديلة.(89)
ولا يرى محمود درويش ذلك في مدينته وحسب، بل يراه كذلك في بيوت:آخر معقل وآخر ملاذ لشعب حرم الأمان في مدنه. أما جبرا، فبعد هجومه الأوّلي على المدينة، كما رأيناه في قصصه القصيرة، نجده يصوّر القدس في روايته مدينةً محبوبةً رائعة، كما نجد أنه لم يعد يرى المدن العربية الأخرى، مثل بيروت وبغداد، أماكن اغتراب واستلاب.
والأدب الفلسطيني في الشتات يعبّر عن إحساس عميق بالمكان وعن ارتباط به غالباً ما يصوّر في مواجهة مشاهد من المنافي. وعندما يركّز الكتّاب على استعادة مكان ثابت – قراهم أو مدنهم – فإنهم يفعلون ذلك على مهاد متنقّل من المنفى يطفو في عالم كثيراً ما يتسّم بالعداء، ونرى في هذا الأدب صورة متّصلة لمكان معرّض للمخاطر يتحرك فيه الشاعر أبداً نحو مكان محدد في وطنه الأصلي يجد فيه الأمان والاستقرار المنشودين. يستحضر ذلك أيضاً لمحات من الشعر العربي القديم، حيث يصوّر الشاعر الصحراء التي لا حدود لها تصويراً حيّاً يبعث الرهبة في النفوس – فهي مكان خطر مترامي الأطراف ملئ بالغدر ومشبع بحرارة الشمس المحرقة – ولكنه يؤدي بنا في نهاية المطاف إلى المكان المنشود. أما الآن فإن الشعراء يشبّهون الصحراء الشاسعة بالشتات، حيث يتحتّم على الفلسطيني المنفي أن يقتطع لنفسه وجوداً بانتظار العودة إلى تلك البقعة الصغيرة الثابة على الخريطة، وتفصل بين المكانين مخاطر وأهوال الرحلة المضنية عبر القفار.
وهناك في الشعر صور جديدة تظهر بسبب استمرار التنقّل بين المنافي وتوحي بانعدام المكان عند الفلسطيني، ويصف محمود درويش هذه الحالة من الوجود / اللاوجود بهذه الأبيات المعبّرة:
أعدّ لسيدتي صورتي
علّقيها إذا متّ فوق الجدار
تقول: وهل من جدارٍ لها؟
قلت: نبني لها غرفةً.
-أين ؟ في أيّ دار؟
أقول: سنبني لها دارها.
-أين ؟ في أيّ منفى؟(90)
ويضيق المكان أمام الفلسطيني بشكل مخيف، في الشعر الذي أعقب سنة 1982، أي ما كتب منه بعد الغزو الإسرائيلي للبنان والخروج الفلسطيني من بيروت بحيث علينا كما يقول محمود درويش، أن نخلع أعضاءنا كي نمر. ويصوّر محمود درويش في شعره حالة من الوجود المخنوق، كما يفعل الشيء نفسه زكريا محمد ومريد البرغوثي وعبد اللطيف عقل وغيرهم، إذ يصوّرون الفلسطينيين وهم يحتشدون في المطارات ويبحثون عبثاً عن مكان صغير يتمّمون فيه زواجاً، أو يواصلون السفر إلى ما لانهاية في قوافل متلاحقة مع أطفالهم وصرر ملابسهم، كما يموتون دون رؤية أحبابهم،ويعانون من الوحدة والوحشة والحر الحارق للحصول على لقمة العيش في أحد منافي هذا العالم الواسع.
الشعر بعد سنة 1967
• الشعر الفلسطيني في الثمانينات والحداثة
يزخر المشهد الأدبي الفلسطيني بفيض من الشعراء، وعلى الرغم من التطوّر المستمر للفن القصصي الفلسطيني، في المناطق المختلفة التي يعيش فيها الفلسطينيون (الأراضي المحتلة وإسرائيل، وعالم الشتات الشاسع المنتشر والآن، دولة فلسطين)، وعلى الرغم من المستويات العالية التي تبلورت في الشعر. فقد بلغ الشعر الفلسطيني في الثمانينات، من حيث الكم والكيف معاً، مستويات لم يبلغها من قبل. لكن هذا النجاح لم يتحقّق أخيراً إلاّ بعد فترة من المحاولات الفاشلة خلال عقد السبعينات على أيدي عشرات الشعراء. وحتى الإنجاز الذي حققه محمود درويش، وبلغ ذروته في السبعينات، فإنه، رغم كل غناه وقيمته الفنية، لم يكن كافياً لتخفيف الوضع الذي كان يعاني منه الشعر الفلسطيني (والكثير من الشعر العربي) في تلك الفترة، فقد مرّ الشعر الفلسطيني، بين إنجاز شعراء الخمسينات والستينات وإنجاز شعراء الثمانينات، في مرحلة من الاضطراب،وخاض تجربة شاعت شيوعاً شاملاً ومحموماً، فظهر عدد كبير من الشعراء في حقبة السبعينات سرعان ما أفل نجمهم، وإن يكن قد بقي لبعضهم شهرة فإنما يرجع ذلك إلى التزامهم بالموضوع السياسي والهموم الوطنية. هذا وضع يستحق المزيد من الإيضاح.
هناك نقطتان رئيستان يجب النظر فيهما عند البحث في شعر السبعينات، تتعلّق الأولى بجمالية القصيدة، وتتعلّق الثانية بدلالاتها المعنوية. أما النقطة الأولى فمصدرها تلك المغامرة الكبرى التي خاضها الشعر العربي بأسره (بما في ذلك الفلسطيني) في مجال اللغة والصورة في تلك الفترة. فقد أخذ الشعر يستقصي الإمكانات المجازية في الشعر العربي بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخه الطويل، حتى في التجارب الفائقة البراعة التي قام بها الشعراء العباسيون والأندلسيون في العصور الوسطى، وقد تزعّم هذه المغامرة الشاعر السوري أدونيس، الذي فجّر في أوائل الستينات القوة الكامنة في الصورة الشعرية وأبدع صوراً مضيئة ومعقّدة كثيراً ما باعدت بين طرفي التشبيه. وقد أصرّ أدونيس على الطرافة والجدّة وسعى نحو الغرابة، وأبدى مهارة فائقة في اقتطاف المجازات من جميع مناحي الحياة، فغدت تجربته محطّ نظر العديد من الشعراء الشباب، وانتشرت بينهم انتشار النار في الهشيم، فغدا الابتكار في اللغة والصورة هدفاً يقصد لذاته في كثير من الأحيان. وكانت هذه التجربة في أحسن حالاتها تجربة مركزة تتجنّب التعبير المباشر وتنأى عن الأشكال المرئية في محيط الشاعر، وكانت المجازات فيها ضرورات جمالية تتطابق مع رؤيا الشاعر الخاصة. وهكذا بدأت فترة من الحرص الواعي على الناحية الجمالية اتصفت بدرجة عالية من التّأنق المتعمّد. هذه الخصائص الحداثية المحددة تكون أكثر وضوحاً في الفنون المرئية، لكنها تظهر في الشعر في طريقة التعامل الجريئة مع الصورة، حيث لا يقصد من الصور تمثيل الواقع بل بلورة الصور وتحقيقها لذاتها وفي الشكل الذي أبدعت فيه، وذلك يختلف عن الاستعمال التقليدي للصورة في الأدب الواقعي، حيث استعملت إما للزينة أو لدعم المقصد الدلالي المباشر للقصيدة.
وكان مما ساعد على انطلاق هذه التجربة أن شعر الستينات، الذي ورث كل تلك التجارب المتنوعة التي ظهرت خلال العقود الستة التي سبقته، من الكلاسيكية المحدثة مروراً بالرومانسية والرمزية والواقعية المحدثة وبعض المحاولات السريالية، قد اكتسب من المرونة ما جعله يتقبّل المغامرة الجديدة. وبغض النظر عن نجاح الشعراء أو إخفاقهم فإنهم أصبحوا الآن قادرين على تشكيل المادة التي بين أيديهم وعلى اللعب باللغة والصورة دون مقاومة من الأدوات الشعرية ذاتها، التي اتضح أنها صارت في غاية الطواعية، ودون أن يعيقهم أي تقديس واع للأعراف والأساليب الشعرية الموروثة التي كانت قد اهتزّت وفقدت ثباتها القديم.
ومما ساعد على رسوخ التجربة أن لغة أدونيس حافظت، رغم مفرداتها الجديدة الخلاّقة، على صلاتها الكلاسيكية القوية ولعى جرس اللغة الشعرية القديمة وجزالتها وبلاغتها العميقة.
ورغم النزوع السائد بين الشعراء عامة إلى رفض القديم فإنه لا شكّ في أن الشغف الموروث برفعة اللغة ورقيها لم يختف قط، ولذا لم يشعر الشعراء والنقّاد من ناحية، والقرّاء المثقفون من ناحية أخرى (كان تعقيد الشعر عقبة أمام القارئ العادي)، بأن الشعر قد اجتثّ تماماً من جذوره كما لا بدّ أنّهم شعروا لدى قراءة شعر صلاح عبد الصبور، على سبيل المثال، وذلك بلهجته التي غالباً ما تقترب من لهجة الحديث العادي، وبلغته غير المشرقة والقريبة من اللغة المحكية.
كان أدونيس قد بدأ – كما سبق أن ذكرت – بالدعوة منذ مطلع السبعينات إلى مذهب الحداثة الذي اجتذب الشعراء المعاصرين بشدّة. وليس من شك على الإطلاق – كما سبق ذكره كذلك – في أن المغامرة التي أقدم عليها أدونيس في اللغة والصورة، إضافة إلى رغبته في التدمير ودعوته للتخلّي عن المفاهيم والأساليب الشعرية القديمة، كانت مظاهر حداثية حقيقية.

(يتبع)
توقيع دموع القمر
 
[
سلام اذا حان وقت مماتي,,,وغطى التراب الطهور رفاتي
فــــلا تــذكرونـــي بسوء,,, فيكفي حبي لكم طوال حياتي
دعوني أنم في قبري سعيدة,,, وعذرا عن كل ماضٍ وآتي ...
دموع القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس