وما ذكرته من تغيّر كبير في شعر خيري منصور وأحمد دحبور ومريد البرغوثي يعكس الطبيعة الخفيّة المبهمة وذلك التماسك الداخلي في الفن الذي يقاوم اقتحام التجارب الطفيلية عيه عندما يكون هذا الفن في فترة من فترات حيويّته وقوّته (كما هو الحال في الفن الشعري العربي في القرن العشرين )- عندها فإن الفن نفسه يقاوم أي تدخّل طويل الأمد في مسيرته المعافاة ويظهر تماسكاً داخلياً صلداً في وجه التجارب الهجينة. وهذا بالضبط ما حدث عندنا مع هؤلاء الشعراء الثلاثة، وآخرين سواهم في العالم العربي، إذ أن شعرهم، كما ذكرت آنفاً، تغيّر مع مطلع الثمانينات. إن أحمد دحبور، على غرار كل من خيري منصور ومريد البرغوثي، يكتب شعراً موزوناً، لكنه أظهر ولعاً بالتجريب في الأشكال الشعرية الموزونة أكثر من أي شاعر آخر من شعراء جيله، فأفسح بذلك المجال لإمكانات الأوزان الموروثة الرسمي بخدمة الثورة الفلسطينية إلى كبت جزئي لأحاسيسه المرهفة(98) ، وذلك لصالح الخطاب السياسي المباشر، ولكنه كبتٌ جزئي وحسب، إذ أن شعره ينبض بالإدراك العميق شبه الغريزي للمعنى الشامل الذي يكمن فيما هو مشج ومأساويّ في الحياة الفلسطينية المعاصرة.
• مريد البرغوثي
أما تجربة مريد البرغوثي في الثمانينات فتعود إلى ظهوره موقف جديد من شعره نحو كل من فنيّة القصيدة وطريقة فهم التجربة العربية المعاصرة، فقد اختفت الصرخات العالية المعبّرة عن الاحتجاج المأساوي وعبارات الغضب والقدح والتبجّح، وحلّ محلّها صوتٌ مهذّب، مدني، مشذب اللهجة، يعبّر أحياناً تعبيراً مأساوياً هادئاً ويعبّر وأحياناً أخرى بلهجة ساخرة بارعة ومتميّزة عن سخطه على النظم السياسية الداخلية والخارجية. وهكذا نجد أن حرس الملك في قصيدته الحرس هم أنفسهم أشبه بملوك ذوي ممالك وذوي جلالة، بينما يتنافس أفراد القبيلة في قصيدة القبائل بالقوة الجنسية والممتلكات المادية، والموناليزا معلّقة على جدران خيامهم المخملية تقابلها لوحة كتابات للحماية من عين الحسود، إلى جانب شهادة جامعية لأحد الأبناء يعلو الغبار إطارها الذهبي، وتنتهي القصيدة بالقول:
قبائلنا تستردّ مفاتنها
في زمان انقراض القبائل!(99)
• محمد الأسعد
ولا بدّ من ذكر الشاعر محمد الأسعد (المولود عام 1944)، الذي حرص على تجنّب الانجذاب إلى ما شاع من أنماط شعرية والوقوع في مزالقها(100) ، كما بقي مسيطراً على شكل من التعبير مستقلّ بذاته. إنه شاعر يتصف بقدر كبير من الصدق الفني، كما يمتلك غريزة شعرية صائبة مكّنته من المحافظة على رؤيته الواضحة خلال فترة السبعينات المحمومة، ومن إبقاء الحدود اللغوية والمجازية مغلقة بإحكام في وجه الهذر والمغامرات الزائفة.
إن شعر محمد الأسعد، الذي يتميّز برؤيا حضارية متطورة وبلغة غضّة طبيعية لا تعمّل فيها، لهو دليل قويّ على الطريقة التي يعمل بها الفن بالغريزة المبدعة لدى بعض الأفراد. إنّ ميدان الفنّ عند بعض الشعراء واضح الحدود، وهي حدود يتم إدراكها غريزياً، ومع ذلك فهو ميدان هش عند شعراء آخرين – كما رأينا- بحيث تنتهك حدود بسهولة إذا ما استجاب الشاعر للدعوة الصارخة إلى الالتزام الاجتماعي – السياسي المباشر. لكن لا بدّ من المبادرة إلى القول إنه ليس هناك من شاعر أكثر التزاماً من محمد الأسعد. فطبيعة تكوينه الذهني والروحي ذاتها تنبع من حقيقة النفي الدائم والظلم المقيم، ومن عرقلة إمكاناته المتميّزة بسبب جنسيته الفلسطينية. ومع ذلك فإن شعره لدليل ساطع على أن التقنية الشعرية لا تخضع بالضرورة إلى الالتزام ببعض الموضوعات الشعرية بل إلى موقف الشاعر وتكوينه الفني، وإلى حساسيته الشعرية ومدى مقاومتها أو خضوعها للتسويات الفنيّة ذات الجاذبية الزائفة في عصره. وقد ظلّ محمد الأسعد، بما يتمتع به من تحضّر وانضباط فنّي، يرفض بهدوء كل التوقعات الاجتماعية المشروعة طوال تلك الفترة المحمومة، واستمر في تطوير فنه.
إن اللهجة المتحضّرة التي يتميّز بها شعر محمد الأسعد لا تعكس شيئاً من نشأته البسيطة، فقد ولد في قرية من قرى فلسطين، وتركها عندما كان في الرابعة، وترعرع فيما بعد في مخيّم للاجئين في جنوب لبنان: وتقدّم لنا مذكراته (أطفال الندى) ذكريات غير مباشرة عن طفولته وعن الهجرة، جمعها ممّن كانوا يكبرونه من أفراد أسرته. ولم يكن محمد الأسعد في ذلك المخيّم الذي نشأ فيه على صلة بالبيئة الزراعية التي انحدرت منها أسرته أو بالبيئة الخالصة، بل كان يتأرجح بين عدة بيئات لا يتوقّع المرء من أي ّ منها، فيما نظن، أن تنتج ذلك التحضّر المتميّز الذي يتسم به شعره. وهكذا نجد أن القوى البشرية المؤثرة في إبداع هذا الشاعر أو ذاك كثيرة ومتعددة ولكنها تبقى عصية على التفسير في معظم الأحيان.
بروز محمــود درويش
يقف محمود درويش عالياً في حقل يعجّ بالمواهب الشعرية، ويتألّق بما لدينه من طاقة إبداعية عجيبة؛ إنه شاعر زماننا هذا وكل الأزمنة. ولقد يتساءل المرء عند إمعان النظر في أعماله عما إذا كان وضعه الخاص، بوصفه ناطقاً باسم شعبه وملتزماً بالقضية الفلسطينية على حساب معظم المواضيع الشعرية الأخرى، قد أضرّ بمسيرته الشعرية أم أنه مهّد له الطريق إلى القمة. هل حرمه التزامه الدقيق بموضوعه،ومعه الشعر العربي عامة، من الغزاة، من الغزاة والإمكانات اللامحدودة المتأصلة في عبقريته الشعرية، أم أنه – على العكس من ذلك- تمكّن من أن يثبت حتى ضمن هذه الحدود – وهي حدود دامت دوام المأساة الفلسطينية ذاتها، ونفذت مثلها إلى كل ناحية من نواحي التجربة – أن يثبت أن طاقته الإبداعية يمكن أن تنطلق بحريّة وأصالة دائمة التجدّد وهي تخاطب جماهير عالمية تتزايد باستمرار؟
منذ أن بدأ محمود درويش مسيرته الشعرية في الستينات، أفسحت الحياة السياسية الفلسطينية المليئة بالأحداث المجال للشعر السياسي الفلسطيني لكي ينوّع بعض الشيء في هذا الموضوع. فقد فرض التاريخ الفلسطيني الحديث، وهو تاريخ ملأته المآسي والنكبات وتخلله البحث الدائب عن حلّ لمعضلة تتعمّق وتتعقّد باستمرار، تغييراً في دور البطال، كما استلزم، بشكل عام، تغييراً في طرق التعامل مع هذا الوضع. ويعكس شعر محمود درويش هذا الدور المتغيّر أكثر مما يعكسه شعر أي شاعر آخر من شعراء الجيل الذي ظهر ما بين الخمسينات وشعراء الثمانينات.
غير أن ما يبقى ثابتاً في شعره هو تلك المعاناة الشاملة على المستويين الشخصي والجماعي، مما يدعم مقولة كامو: إن المعاناة في الثورة تجربة جماعية ( أنا أتمرّد، إذن نحن موجودون) ورغم ما يتخلّل شعر محمود درويش من صوت شخصي حميم – صوت فريد يعلو وحيداً متميّزاً(101) - فإنه يندر أن تتسلّل إلى شعره موضوعات من حياته الشخصية*.
وكثيراً ما يتوهّج خياله السامق بمبادرات جديدة غير متوقعة، ولكنه يظل مسيطراً على فنّه وعلى الأبعاد التي فرضها عليه الوضع الفلسطيني المعقّد. وبينما يشعر المرء بأن لدى محمود درويش اطمئناناً داخلياً لدوره، إلاّ أنه يشعر كذلك بأن هذا الوضع الفلسطيني يرهقه باستمرار ويسلبه مجالات واسعة للتعبير الشعري كان بإمكان عبقريته الشعرية، لولاه، أن تبدع فيها إبداعاً متميزاً. لا يعنينا ما يستطيع الشاعر فعله أو لا يستطيع على المستوى الشخصي ما دام يتحمّل مسؤوليته الجماعية كاملةً بصفته شاعراً – أو شاعرة – في زمن الثورة. وقد نجح محمود درويش (حيث أخفق شعراء كثيرون غيره من جيل الرواد) في البقاء داخل العالم المتداعي الذي يحيا فيه الفلسطينيون، وفي كونه عامل توحيد لا على المستوى السياسي وحسب، بل على المستوى الثقافي كذلك، وهذا هو الأهم. إن الطوق الفلسطيني يحتويه كما يحتوي الآخرين، وهو – مثلهم- يبقى متأرجحاً على الخط الفاصل بين البطل والضحية.
إن المجتمع الفلسطيني داخل الوطن وفي الشتات مجتمع مأساوي، ومن المتعذّر على أدب يعكس تجربة شعب يعيش في حصار دائم ألاّ ينظر إلى التجربة نظرة مأساوية حتى وإن اختلطت هذه النظرة أحياناً بما هو كوميدي أو بما هو ساخر. ولكن – كما سبق أن ذكرنا – ثمة إحساس هائل بالعزة والكرامة متغلغل في هذا الأدب، كما أنه يسوده الرفض للسياسة الهادفة إلى إفناء الشعب الفلسطيني وإغراقه في دمائه، وقد رفع محمود درويش صوته عالياً مؤكداً هذه العزة والكرامة، كما فعل عدد من الشعراء وكتّاب القصة والمذكرات الشخصية من الفلسطينيين. وشعره يمزج اللوعة بالنشوة، والكبرياء باليأس والمقاومة البطولية بإدراك الشاعر للشر السائد الذي يحبط البطولة، بحيث تكمن الضحية تحت لبوس البطل. وقد أخذ صوت محمود درويش يتسم بالأسى الممزوج بكبرياء شاعر أخذ يدرك أن الشجاعة والإرادة الصامدة للكفاح انتصار البطل في عالم يسوده التفوّق التكنولوجي وسياسة القوى العالمية، وذلك بعد مجزرة تلّ الزعتر عام 1976(102) حيث قُتل عدة آلاف من الفلسطينيين على أيدي قوّات الكتائب اللبنانية وما تبعها من نكبات الغزو الإسرائيلي للبنان في صيف عام 1982، وهو الغزو الذي استهدف المقاومة الفلسطينية وما نتج عنه من خروج آلاف الفلسطينيين من بيروت، ثم مجزرة صبرا وشاتيلا – التي تلت الغزو- وذلك على أيدي الكتائب اللبنانية أيضاً.
ويظهر ذلك المزج البارع في شعر محمود درويش بين البطل والضحيّة واضحاً للمرة الأولى في قصيدته أحمد الزعتر التي تصوّر محنة الفلسطينيين بعد مذبحة تل الزعتر، كما يظهر معه إحساسه الطاغي بالتعاطف والحنان اللذين سيظلان ملازمين له بعد ذلك. إن تعاطفه من نوع راقٍ تمتزج فيه الرقة بالكبرياء، والألم بالتماسك والعزم، كما إنّ هذا التعاطف الرفيع ينصبّ على الجماهير التي كان الشاعر نفسه فرداً فيها، ومع ذلك فإننا لا نجد أي أثر للإشفاق على الذات بالمعنى الشخصي أو الجماعي، لأن ذلك من شأنه أن يفسد من رفعة الكفاح وعدالته، وأن ينفي عنه تلقائية التضحية وطبيعتها المجانية، كما أنه يعني التخاذل أمام مسؤولية يجب أن لا تلين في مقاومة الظلم. ففي مرثيته لعز الدين القلق الذي اغتيل في باريس في السبعينات، يصوّر البطل وقد أدرك أن أجله وشيك ولكنه يهزّ كتفيه استخفافاً ويلقي نكتة ويمضي في طريقه:
وكان يودّعني كلما جاءني ضاحكاً
ويراني وراء جنازته
فيطلّ من النعش:
هل تؤمن الآن أنهم يقتلون بلا سبب؟
قلت: من هم؟
(يتبع)