فقال: الذين إذا شاهدوا حُلماً
أعدّوا له القبر والزهر والشاهدة(103)
قد يطلق ضحايا محمود درويش من الأبطال أنّه ألم ساعة الموت، ولكنهم يواصلون الدفاع عن حقوق شعبهم وشرفه، وهم يدخلون في الطريق البطولي المسدود الذي يموت فيه الرجال، وهم يصارعون نحو القمة(104) كما يقول ريموند وليمز RAYMOND WILLIAMS.
تعود الطبيعة الشمولية في شعر محمود درويش (ونثره) بالدرجة الأولى إلى كرهه الشديد للتشبّث بالعقائدية – وهو الشرط الأساسي لكل شعر عظيم. وما يكمن في الصميم من شعره ليس المذهب الفكري في الكفاح الفلسطيني بل ضرورته المأساوية، أو الحاجة الحتمية للوقوف بتحدّ في وجه الخلل الجذري الذي لحق بحياة الفلسطينيين أينما حلّوا.
ولقد جنى محمود درويش فائدة كبرى من ثورة الستينات والسبعينات في عالم الصورة الشعرية، ولربما انعكس في شعر أي شاعر آخر.
وقد دفعت الرغبة في الابتكار، الذي لا تقيّدة قيود في السبعينات، يخياله الخصب إلى حرية لم يعهدها من قبل. وقد يشعر المرء أحياناً أن زمام الأمور يفلت من يده إذ يفقد السيطرة على صوره المجازية في القصيدة فينتج عن ذلك بعض الصور المنفلته هنا وهناك. غير أن هذا لا يحدث إلاّ نادراً، فصوره في العادة مضيئة لا تُنسى (إذ كيف لنا أن ننسى قوله: تضيق بنا الأرض، تحشرنا في الممرّ الأخير، فنخلع أعضاءنا كي نمرّ)(105) وصور محمود درويش المجسّدة، الحركية والشميّة، العامرة بألوان بلده ومذاقاته وأصواته، تجئ أحياناً مألوفة كل الألفة، وأحياناً مذهلة بغرابتها وجدّتها، ولكنها قادرة في الحالتين أن تنتقل بالقارئ إلى فضاء القصيدة. ولغته تنبض بالحياة والدفء والحميمية، وبحنان طفولي خاص في بعض الأحيان.
ليس من السهل أن ننسب محمود درويش إلى هذه الفترة أو تلك، فلقد تفجّرت موهبته في السبعينات وتغذت بالمغامرات الفنية الجارية آنذاك في حقل اللغة الشعرية والصورة، كما ألهبتها مأساة شعبية المتعاظمة أبداً وآمال ذلك الشعب المتنامية. ثم أصبح محمود درويش جزءاً لا يتجزأ من الحركة الشعرية الحديثة في العالم العربي الواسع واستمر في التطور. إنه شاعر يشع نجمه عبر الحدود والفترات الشعرية رغم اختلاف هذا الشعر من نواح كثيرة عن الشعر الطليعي في الثمانينات. ولئن كنا نشعر الآن أن شعر الرواد قد بهت ومضى زنه فإن ما أنتجه محمود درويش من شعر ونثر قد قاوم مرور الزمن ولم يفقد القدرة أبداً على إثارة الدهشة فينا. ولا شك أن ما فيه الآن من جدّة ونضرة وانتمائية لزمنه المعاصر لن يفارقه في المستقبل. إن خدماته للأدب الفلسطيني لا حصر لها، وهي خدمات جلبت الفخر لشعبه في العالم العربي وفي بقية أنحاء العالم. لقد رسّخ محمود درويش، إضافة إلى المنجزات الثقافية التي حققها سواه من الفلسطينيين في أرجاء العالم قاطبة، سمعة الفلسطينيين بصفتهم شعباً أسهم بإبداعه وعطائه الفكري في الحياة الثقافية العالمية في العصر الحديث.
• سميح القاسم
في داخل إسرائيل، تابع سميح القاسم (المولود 1939) سيرة شعرية باذخة، وقد استطاع أن يفرض تجاربه الشعرية المتجددة أبداً، والتي لم تتوقّف قط، على الجمهور العربي الواسع خارج حدود بلاده ونال شهرة عالمية بقصائده الإبداعية النابضة بروح الكفاح والمقاومة والرفض للشر السياسي والمؤامرات العالمية على مصير شعبه. ولا شك في أن بسالة الروح المقاومة التي تشع في شعر سميح القاسم معدية وشديدة التأثير على القارئ أينما كان.
إن شعره، على غرار شعر محمود درويش، يكاد يكون وقفاً بكامله على القضية الفلسطينية وقد ارتبط اسما الشاعرين معاً. إلاّ أن سميح القاسم لجأ إلى أساليب مختلفة للتغلّب على الخطر الكامن في التكرار الممل للموضوع الواحد، فهو يدرك أن عليه المضي في تغذية جمهور ثبت أن شهيته للشعر الذي ينفّس عن آلامه لا تعرف الارتواء، ولذلك بقي الموضوع السياسي محور علاقته مع جمهوره،فأي تغيير كبير في هذا المجال سيبدو للجمهور تخلّياً عنه أو خيانة له. وقد تخلّص من هذا المأزق بطريقتين: الأولى أنه بعد أن كتب قدراً من الشعر السياسي (الذي برّز فيه) شعر أن بإمكانه التركيز أحياناً على موضوعات أخرى مثل الحب. من ناحية ثانية، اتّصف هذا الشاعر بالمرح والدعابة والشعور بالراحة مع نفسه ومع الآخرين مما لا يتسع له صدر محمود درويش نتيجة لمزاجه الخاص، وهكذا تمكّن سميح القاسم من ابتكار طريقة يضمن بها مشاركة الجمهور أثناء إلقائه القصيدة، فجعل من الجمهور نفسه في بعض تجاربه جزءاً لا يتجزّأ من القصيدة، إذ كان يلجأ أحياناً إلى نوع من التمثيل فيقف على المنصة منشداً قصيدته ويطلب من الجمهور أن يردد معه اللازمة في القصيدة أو أن يشترك معه في التصفيق.
أما محمود درويش فإنه، على النقيض من ذلك، يلتزم موقف الجد التام مفضلاً الطريقة التي ظلّ المشاعر يواجه بها جمهوره في العالم العربي، حيث يخاطبهم كنبي وينشدهم شعره بلهجة رؤيوية تتحدّث عن مصير الفلسطيني وقدره، بينما يصغي الجمهور مأخوذاً ومتعلّقاً بكل كلمة، وفي تواصله مع رسالة القصيدة ينفجر بين الحين والآخر بدفقات عاطفية من الهتاف والتصفيق، تشبع حاجاته الماسة إلى التطهير وتوفّر له المتنفّس المرتجى.(106)
يتنقّل سميح القاسم في شعره بين العديد من الأنماط، فنجده ينتقل من النمط التراجيدي إلى النمط الكوميدي بيسر كبير، ويعكس أحياناً رؤيا مرعبة يعبّر عنها لا بالصورة الفنية ومعالجة الموضوع وحسب، بل من خلال لهجة تغدو رنانة ومرعبة معاً.(107) كذلك نلمح في شعره شيئاً من خصائص مذهب ما بعد الحداثة يتبدّى أولاً في حرصه الشديد على إشراك الجمهور في إنشاد القصيدة، وثانياً في محاولاته العرضيّة، من حين لآخر، لتأليف (المعارضات PASTISHE) حيث أصدر عام 1983 ديواناً صغيراً بعنوان كولاج وكان خليطاً من كل أنواع الكتابة، فتراوح بين الشعر والنثر الشعري والبيانات الصحفية. واستعمل في هذا الديوان لة وإيقاعات متنوعة ما بين التعبير الخطابي الذي يذكرنا بالشعر القديم واللغة شبه العامية التي تذكرنا بالأغاني الشعبية الفلسطينية، كما تنوّعت لهجة الخطاب فيه بين المأساوي والساخر أو الكوميدي. وفي العام نفسه نشر سميح القاسم مجموعة أكبر من جهات الروح. اتسمت ببعض هذه العناصر كذلك، لكنها حافظت على قدر أكبر من البلاغة مما في كولاج(108). ويتصف إنتاجه الشعري الفني بالتجريب ولكن بطريقة يتميز بها عن سواه. ولعل سميح القاسم هو الشاعر الفلسطيني الأول (بل العربي الأول بقدر ما أعلم) الذي تظهر في أشعاره بعض من خصائص مذهب ما بعد الحداثة.
• توفيق زياد
أما توفيق زيّاد (1932 – 1994)، فإنه يمثّل في نظر الفلسطينيين صورة الكفاح الذي لا يكل، بصلابته وثباته وحفاظه على رؤيته الخاصة بالعدالة، ولم يتغيّر شعره كثيراً منذ أن بدأ كتابة قصائده الوطنية المؤثرة في الستينات، وهي القصائد التي تشكّل تعبيراً حميماً عن الروح الفلسطينية لا يفوقه في ذلك تعبير آخر. ولقد لُحّن العديد من هذه القصائد وراح الناس يتغنون بها. وليس هناك فلسطيني لا يحفظ بعضها أو يترنّم بها،كما أنه ليس هناك أيّ تجمع للعرب، من بوسطن إلى بيت لحم وما بينهما، لا ينشدها في ملتقياته، فشعره يستجيب لتلك الحاجة الملحّة للتعبير الحازم عن الإيمان والعزم في وجه العدوان. وهو لا يكتب الشعر لذاته، لأن التزام توفيق زيّاد بقضيّة شعبه ربما كان أقدس بعنده من فنّ الشعر نفسه. ولكنه في الوقت ذاته لم يكتب هذا الشعر ليكون وسيلة لغاية فقط، بل كتبه لأنّ به وبأبناء وطنه حاجة للحديث الصريح شعراً عما يحسون أنه وضع ملئ بالمراوغة السياسية والغموض والتآمر. إن شعره رفض وتأكيد في آن معاً لوضع شعبه القلق؛ ولا شك في أن الواقع السياسي القاسي يولّد أحاسيس وطموحات تتحوّل بدورها إلى شعر.
• علي الخليلي
إنه لمن المستحيل الكتابة عن الشعراء العديدين الذين أغنوا التراث الشعري داخل فلسطين وفي الشتات. لكن لا بدّ من ذكر ما أنتجه علي الخليلي (المولود سنة 1943) من شعر غني بالرمز. وهو شاعر واسع الثقافة من الضفة الغربية، يصوّر تجربته في ظل الوضع السياسي البائس هناك بأشعار تتميّز بحداثتها. ومن خصائص شعره المميزة استعماله للدفقات الشعرية القصيرة المتقطّعة التي تعكس قلق الشاعر العميق وتنتج أثراً حاداً وقوياً في أغلب الأحيان:
استعد
استرح
تدحرج يا رأس الملفوف الأخضر(109)
انهمري
أبطالاً منسيين، نوافذ مغلقة،
عمّالاً مغتربين ومنفيّين،
وفلاّحين بلا أرض،
وأغانٍ دون شفاه،
انهمري(110)
وتشير المبالغات في شعره إلى ما يحس به من عبث الحياة المحيطة به، وهي الحياة التي تحاصر الفلسطيني لا داخل إسرائيل وحسب، بل في العالم العربي بأسره. لكن هناك كذلك في هذه النغمات المحتدة، بحث دؤوب عن السكينة وعن جواب للمشكلات التي تقض مضجع الشاعر.(111)
وما أكثر ما تبزغ، من خلال التعابير المعقّدة المتلاحقة والصور الشديدة التوتر، مقولة بسيطة ولكنها ثاقبة:
هنا النفظ سقف هوى(112)
أو:
نحن ملح الأرض
والأرض لباس وأوسمة وأقراط ودبابيس وأصباغ وسجاجيد ... إلخ
للجنرالات الجدد.(113)
نجد في هذا المقطع الأخير ما يتميّز به الشاعر من الإدراك الساخر للأوضاع، كما أن هناك مقاطع أخرى يظهر فيها
لانشغال بالتجربة الإنسانية الشاملة، وخاصة بما فيها من المعاناة:
وما قصد ضحكات الرؤوس المقطّعة المكدّسة في
الرياض والقاهرة ومراكش والخرطوم وجنوب إفريقيا
وشيلي وواجهات العرض الزجاجية الفاتنة في نيويورك(114)
بهذا النوع من الجرأة يحافظ الشعراء الفلسطينيون الطليعيون على روح التجريب ناشطة دون شطط، ولكن خاضعة في الوقت نفسه لسيطرتهم الحاذقة على أدواتهم الفنيّة.
ويزدهر هذا الشعر فنيّاً باستمرار، لكنه لا يغفل إطلاقاً الواقع التاريخي الذي يواجهه الشعب الفلسطيني في الوقت الحاضر. ومن المهمّ أن يلاحظ النقّاد المعاصرون كيف أن هيمنة الواقع السياسي المباشر على الطاقة الإبداعية عند هؤلاء الشعراء لم تؤد بهم إلى الضلال كما حصل مع شعراء السبعينات. وهذا يشير إلى وجود نضج جمالي جديد يهيمن، ليس فقط على حفنة من الفلسطينيين الموهوبين الذين يكتبون هذه الأيام، بل على شعراء لا يقلّون عنهم إبداعاً وبراعة في أرجاء العالم العربي بأسره.
(يتبع)