عرض مشاركة واحدة
قديم 02-Sep-2007, 07:14 AM   رقم المشاركة : [23 (permalink)]
دموع القمر
العضوة الكسولة

 الصورة الرمزية دموع القمر
 





دموع القمر will become famous soon enough

افتراضي


أدب المذكرات الشخصية
ربّما كان أدب المذكرات الشخصية الذي أنتجه الكتّاب الفلسطينيون أبلغ شاهد على عصر النكبات. ويمثّل الجانب الأكبر من هذا الأدب موقفاً إيجابياً في وجه المصاعب المفروضة على حياة الفرد اليومية، كما في وجه الدعاية السلبية التي تعرّضت لها القضية الفلسطينية على مدى عقود دون أن يردعها رادع، ودون أن يمحّصها مؤرخون معروفون من ذوي الشهرة أو أن يتساءل المواطنون العاديون عن صحتها.
وتكشف المذكرات والذكريات واليوميّات والسّير الذاتية قاطبة عن رغبة متّقدة بترسيخ هوية كتّابها ووصف تجاربهم الخاصة. لكن حياة الفرد الداخلية لا تؤدي وظيفتها في فراغ، خاصة في زمن الاضطراب الجماعي الذي لا يمكن فيه لأدب الشهادة الشخصية الجيّد أن يكون شخصياً خالصاً وحسب، إذ ينبثق هذا الأدب،لا محالة، من العصر الذي أنتجه ومن الهوية الجماعية التي تحدّد معالم الحياة حول الكاتب وتعكس الهموم الاجتماعية والسياسية في عصره. ولذا فإن هذا الأدب وثيق الصلة بالأحاسيس والمواقف التي تتجاوز حدود الفرد،وهذا هو في الحقيقة مصدر أهميته وجاذبيته وأثره العميق في النفوس. ومما يضفي على هذا الوضع بعداً خاصاً، في حالة الكتّاب الفلسطينيين،ا لبيئة الخاصة التي يعملون ضمنها، إذ يعطي كتّاب المذكرات الشخصية الفلسطينيون، في الأغلب الأعم، من الاهتمام للقوى الخارجية التي تتفاعل من حولهم أكثر مما يعطونه لما يعتمل في دخيلتهم من تأملات، ويجيش في صدورهم من عواطف خاصة. وتصف كتاباتهم،عادة،السياق الاجتماعي حتى عندما يعبّرون عن مشاعرهم الشخصية، فاللوعة التي يعبّر عنها محمود درويش في مذكراته الشخصية حول الغزو الإسرائيلي لبيروت سنة 1982 تزداد عمقاص وشمولاً بسبب الأحداث المهمة التي حدثت وسجلها ذلك التسجيل الحي البليغ، إذ أنّ الحرب حوله تستثير ذكريات ورغبات دفينة ما كانت لتظهر (كتابةً على الأقل) دون وجود ذلك الخطر المحدّق. كذلكفإن ما يتذكّره محمد الأسعد عن أخيه الشاب المتوفّى، رغم أنه صاغه بعبارات شخصية (هواجس طفل يشاهد الموت والتفجّع للمرة الأولى، تبرز هنا بشكل تجربة داخلية خاصة جداً دفنت لسنوات في ثنايا الذاكرة التي كادت تغيب في العقل الباطن) يتمثل أمامنا أيضاً في سياق موت فتيّ يحدث وسط وحشة مخيّم للاجئين في لبنان وعزلته حيث عالم من الغربة والذّل المريرين يبدو كأنه يضاعف مأساة الموت. أما الصمود البطولي الذي يصوره صلاح تعمري، في وصفه لحبسه الانفرادي في زنزانة داخل أحد السجون الإسرائيلية، فيدلّ على أن البطولة السياسية ظلّت دائماً تحمل رسالة جماعية.(115)
تنزع الآداب في الشتات إلى الاشتراك في عدد من النواحي العامة، منها اثنتان تظهران بوضوح في الأدب الفلسطيني،وخاصة في أدب المذكرات الشخصية، وهما الطبيعة السياسية الملحّة لهذه الكتابات، والطريقة التي يتخذ بها كلّ شيء في هذا الأدب قيمة جماعية. أما الناحية الثالثة فهي الاهتمام الدائم الهوية الوطنية، مما شكل حافزاً كبيراً وراء هذا النوع من الكتابة الفلسطينية،لأن المشكلة التي كانت مثاراً مستمراً لقلقٍ لا ينقطع، كما أنها كانت في أساس التجارب المتنوعة والمعاناة الخاصة التي أضحت السمة المميّزة للحياة الفلسطينية منذ 1948. ونفهم أدب المذكرات الشخصية الفلسطيني على أنه وصف يقدّمه شاهد عيان للحياة الفلسطينية المعاصرة، قصد منه الإمساك بنوع من الهوية ضمن فوضى المأساة الجماعية، كما قصد منه التحدّث بقوة إلى العالم. كان هذا الجانب الثاني حاجة شاملة ملحة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، لأن جانباً من إحباط الفلسطينيين وقلقهم، منذ نكبة عام 1948، تمثّل في وجود جدار يصعب اختراقه، حجب العالم عن رؤية القضية الفلسطينية وآثارها التي تتسع باستمرار. فقد انتشر في جميع أنحاء العالم طوفان من الدعاية الخبيثة المليئة بالتضليل والتلفيق، فطمس معالم القضية الفلسطينية برمّتها، وعتّم على عدالتها، وكثيراً ما أظهرت هذه الدعاية المضادة الفلسطينيين على أنهم مخلوقات عاتية لا ضابط لها في أنظار العالم. ولذا فقد شعر الكتّاب الفلسطينيون بالحاجة المُلحّة لرفض هذه العزلة وللوصول إلى وعي الآخرين عن طريق رواية قصّتهم مراراً وتكراراً بكلّ تفاصيلها ومناحيها التي لا حصر لها وكما خبرها الفرد نفسه.
ويسعى هذا النوع من الكتابة الفلسطينية إلى بيان حقيقة الوضع في العديد من مناحي الحياة. فهناك مثلاً الحاجة لمناهضة صورة التخلّف والبدائية التي أشاعتها الدعاية السلبية، عن طريق التدليل على وجود حياة متحضّرة عميقة الجذور في فلسطين. وقد صوّر يوسف هيكل، في وصفه لفترة صباه التي قضاها في يافا، أسلوب الحياة الراقية المتلوّنة الجوانب للطبقة الفلسطينية العليا في مطلع القرن العشرين، مذكّراً العالم بأن فلسطين لم تكن مجرّد صحراء جرداء متخلفة، بل كانت بلداً فيه حياة متحضّرة متقدّمة، إضافة إلى الأراضي الزراعية الخصبة التي تعمرها البيّارات والجنائن والحقول الخضراء. كما صوّر الدكتور صحبي غوشة، في معرض وصفه لأيّام شبابه في القدس، طبقة مدنية وسطى عميقة الجذور ينتظمها دستور اجتماعي وأخلاقي راسخ الوجود، ولها عاداتها وتقاليدها المعروفة. كذلك هناك تبيان للحياة الفكرية التي عاشها الناس إلى أقصى مداها، كما صوّرها خليل السكاكيني في يوميّاته الشهيرة التي تملأ مجلّداً ضخماً والتي بدأ كتابتها في أواخر القرن التاسع عشر. ومن بعده بعقود كتب هشام شرابي عن هذه الحياة الفكرية واصفاً القطبين اللذين دارت حولهما حياته الفكرية المبكّرة، وهما السعي الحر للحصول على المعرفة والطموح الصادق إلى التغيير والتقدم. ولدينا ذلك البيان الخاص بقدرة المرأة الفلسطينية على تجاوز المستحيل و تحقيق السمعة العالمية في وصف فدوى طوقان لحياتها بأسلوبها المرهف. وهناك وصف للحياة الريفية التي صمدت أمام الزمن، وهي الحياة التي صوّرها جبرا إبراهيم جبرا ذلك التصوير الحي، بما فيها من شبكة العلاقات الإنسانية الحميمة، وبأسلوبها الزاخر- رغم الصعاب– بالحبّ والخير وتراث الأجداد وأغانيهم الموروثة.
وأخيراً وليس آخراً، هناك الحديث عن المأساة. وقد يتناول هذا الحديث معاناة الأطفال أثناء الخروج وهم يطفئون ظمأهم بارتشاف الندى عن ورق الشجر، كما نقرأ في مذكرات محمد الأسعد، أو مأساة رجال ظلمتهم وعذّبتهم نظم قاسية في البلاد العربية سيطرت على مصائرهم بعد سنة 1948 كما صوّرها معين بسيسو، أو قد يتناول الحديث شهادات عن الحرب والعدوان أو المعاناة الموحشة لرجالٍ ونساءٍ سقطوا، بشكل أو بآخر، ضحايا لويلات الحرب الوحشية الحديثة كما نقرأ في مذكرات محمود درويش ومي صايغ ورشاد أبو شاور عن الغزو الإسرائيلي سنة 1982. وأخيراً قد تتناول المذكرات مصير الشجعان وهم يواجهون الأعداء وآلات التعذيب كما وصفها صلاح تعمري(116) ذلك الوصف المؤثر. ولقد شهد كتّاب آخرون كثيرون، إلى جانب أولئك الذين اخترناهم هنا، على التجربة الفلسطينية(117) ، ولا شك في أن كثيرين آخرين سيفعلون ذلك في المستقبل القريب. والفلسطينيون يعرفون حقّ المعرفة انهم إن لم يعلنوا عن تجربتهم للعالم فإن العالم سيكون مستعداً لنسيانهم. إن أدب الشهادة الشخصية هو مصدر دعمٍ وراحة للفلسطينيين أنفسهم مثلما أنّه مصدر شفاء للذين يقرأونه فضلاً عن الفائدة الخارجية التي يستطيع هذا الأدب أن يحققها من خلال إقامة العلاقات مع الآخر.
إن الجانب الأعظم من أدب الشهادة الشخصية يعتمد حتماً على الذاكرة، والذاكرة شديدة الاعتماد على الانتقاء. غير أن بعض الأدب الفلسطيني من هذا النوع، مثل وصف محمد الأسعد المؤثر للخروج عام 1948، وللحياة في فلسطين قبل الخروج، يعتمد على ذاكرة الآخرين،وقد جمعت هذه المعلومات في وصفه – كما سبق أن ذكرنا- من روايات كبار السن في عائلته وقريته. ومما تتصف به الكتابات في الشتات كذلك تأرجحها بين الذاكرة واحنين. لكن الأدب الفلسطيني في الشتات له جذوره العريقة. فالشعر العربي القديم ملئ بهذا الموضوع الذي تأسس مبكّراً في زمن الجاهلية عندما كان العرب ما يزالون رُحّلاً يعيشون حياة شتات باستمرار. والواقع أن الروح العربية ظلّت، منذ أقدم العصور، يمزّقها الحنين وتحييها الذاكرة، وهما عنصران لا ينفصمان ويسمان الأدب الفلسطيني كذلك.
لربما حسب بعضهم أن الفلسطينيين، بنشوء أجيال جدية منهم دون ذكريات شخصية فعلية عن الوطن، ستخلون شيئاً فشيئاً عن المطالبة بأرض فلسطين ويندمجون في محيط البلاد التي يعيشون ويعملون فيها وفي حياتها. لكن المجموعة المختارة في هذا الكتاب تبيّن مدى خطأ هذا التفكير، ذلك أن الحنين ما زال حيّاً متواصلاً حتى في ذاكرة الفلسطينيين الذين نادوا خارج وطنهم، أو غيرهم ممن نجحوا وأثّروا في أماكن أخرى سواه. إن الأطفال الفلسطينيين في الشتات يجلسون حول مواقد النار في الشتاء ويطلبون من كبار السّن حولهم، أولئك الذين يحتفظون بالذكريات، المزيد من الوصف للوطن الذي لم يروه قط، ثم يتغذّون وهم يكبرون بهذه الذكريات.
• الأدب الفلسطيني المعاصر
إنّ الأدب الفلسطيني المعاصر يشكّل مساهممة ثرية فاعلة في الثقافة العربية الحديثة، وهي مساهمة تنبض بالحياة والإبداع. وقد تطوّر هذا الأدب في مجال الفن القصصي بشكل مماثل لتطوره في الأدب العربي الحديث عموماً، كما شكّلت بعض تجاربه الطليعية، مثل تجارب غسّان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي وإبراهيم نصر الله، مساهمات بناء ة في التجارب الجارية باستمرار في العالم العربي، وفي بعض الأحيان أنتج الفن القصصي الفلسطيني معالجات فريدة لا مثيل لها في الأدب العربي، مثال ذلك رواية إميل حبيبي الوقائع الغربية في اختفاء سعيد أبي النّحس المتشائل،و براري الحُمّى لإبراهيم نصر الله. وما زال العمل التجريبي في مجال الفن القصصي ماضياً بكل حيوية ونشاط.
وقد دفعت الظروف الخاصة التي يحياها الفلسطينيون، حيث يقعون باستمرار فريسةً للتشويه وتخضع هويتهم للطمس المتواصل، دفعت بالكثيرين منهم غريزياً إلى إنتاج العديد من أشكال الشهادة الشخصية، وهذا نوع أدبي يعد بأن يسهم بنصيب إبداعي كبير في الأدب العربي الحديث الغنيّ.
لكن فنّ الشعر هو الفنّ الذي يزخر به المشهد الأدبي الفلسطيني أكثر من سواه، ويبرز فيه الفلسطينيون أينما وجدوا الحركة الطليعية المزدهرة داخل الأدب العربي. وهذا وضع يثير حماسة الناقد. بشكل خاص بالنظر للمواضيع السياسية التي تفرضها على الشعر طبيعة الحياة الفلسطينية ذاتها. إنه لمن الصحيح أن الانهيار العربي العام قد سبب قلقاً مرهقاً وصدمةً عميقة للعرب جميعهم خلال القرن العشرين، ولكن الشعر الفلسطيني عانى من ذلك أكثر من أي شعب آخر فقد أخذ كما تقول الناقدة المبدعة فريال غزول – نصيب الكل مجتمعاً ووقف حيث تتلاقى كل السيوف: سيوف الأعداء وسيوف الأشقاء. ثم تستشهد فريال غزول بأبيات مريد البرغوثي وهو يخاطب الفلسطيني المنفي:
لكلّ مواطن حاكم
ووحدك أنت محظيّ بعشرين من الحكّام
في عشرين عاصمة
فإن أغضبت واحدهم
أحلّ دماءك القانون
وإن أرضيت واحدهم
أحلّ دماءك الباقون.
لكن فريال غزول تضيف: فبالرغم من احتلال الأرض الفلسطينية وحصار الشعب الفلسطيني والتعتيم على حقوقه، بالرغم من محاولات الإبادة والتصفية الجسدية والنفسية والحضارية لهذا الشعب، فما زال صوته يرتفع متخطيّاً الحواجز والسدود.(118)
( يتبع)
توقيع دموع القمر
 
[
سلام اذا حان وقت مماتي,,,وغطى التراب الطهور رفاتي
فــــلا تــذكرونـــي بسوء,,, فيكفي حبي لكم طوال حياتي
دعوني أنم في قبري سعيدة,,, وعذرا عن كل ماضٍ وآتي ...
دموع القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس